الصفحة 22 من 38

وعلى ذلك: ذهب الحنفية إلى أن أحكام الإسلام تجري على غير المسلمين - كما تجري على المسلمين - فيما عدا الأنكحة، ونفي المهر، وتمليك الخمر والخنزير وتملكهما، فقد وضعوا لها قواعد موضوعية تفصيلية، يمكن الرجوع إليها في مظانها؛ (ابن الهمام، 2/ 483 - 504، السرخسي، 5/ 38، الفتاوى الهندية: 1/ 337، الكاساني، 2/ 311) ، وعند المالكية: أنهم يقرون على أنكحتهم، وإن كانت فاسدة في ذاتها، ولا يمنعون من الزواج بالبنات والأمهات، على تفصيل في كتبهم؛ (الإمام مالك، 4/ 162، الخرشي، 3/ 149، الدردير، 2/ 422، 374، 4/ 103، 140، 331، 582، الزرقاني، 3/ 146، 8/ 178، 200) ، وقد فصل الشافعية أحكام أهل الذمة في عدة مواضع من كتبهم، بما لا يخرج في الجملة عما سبق إيراده؛ (الشافعي، 4/ 130 - 133، الشربيني 3/ 195 - 196، قليوبي وعميرة، 3/ 32، 43، 88، 100، 159، 256) ، ولا يختلف الأمر كثيرًا عند الحنابلة؛ (ابن قدامة، 10/ 624، والشرح الكبير، 10/ 631، ابن مفلح، 6/ 269 - 289) .

احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية - في الوقت الراهن - من الأمور التي عمت بها البلوى؛ فأغلب البلاد الإسلامية واقعة تحت تأثير خارجي شرس يمنعها من تطبيق الشريعة الإسلامية؛ فالقضاة الذين يحكمون على المسلمين منهم المسلم وغير المسلم، والقانون الذي يحكم به على المسلمين خليط من قواعد إسلامية وغير إسلامية، وهذه الدول الإسلامية ترتبط بمواثيق ومعاهدات دولية، وتسري عليها أحكام ومبادئ القانون الدولي وقرارات المنظمات الدولية، وتقدر بعض المصادر الإسلامية عدد المسلمين الذين يعيشون في دول غير إسلامية - سواء كانوا ينتمون بجنسيتهم إلى تلك الدول أو إلى دول أخرى، أو كانوا من رعايا الدول الإسلامية - بنحو 230 مليون مسلم، ويعتقد بعض الباحثين أن هذا العدد قد يصل إلى حوالي ثلث مليار نسمة؛ (الأشعل، 1988، ص 329/ 330، والمراجع التي أشار إليها في هامش 3) .

وإزاء هذا الوضع، لا يسهل الأخذ بالحلول التقليدية التي وضعها الفقهاء إبَّان وحدة العالم الإسلامي وعزته؛ من نحو وجوب الهجرة على من يقدر عليها، وإقامة الحدود أو التعامل بالربا في دار الحرب ... ونحو ذلك؛ (الكاساني، 7/ 30 - 31، الخرشي على خليل: 3/ 226، الرملي، 8/ 82، المرداوي، 4/ 121) ، وإنما ينبغي مساندة الهيئات والمنظمات الإسلامية والإنسانية التي تهتم بأوضاع الشعوب الإسلامية التي لم تستقلَّ بعد، والتي تعمل على تمتع الأقليات المسلمة بحقوقها السياسية والدينية الاجتماعية، وقد نص الشافعية على أن: من يقدر على إظهار دينه في دار الحرب، ويقدر على الاعتزال في مكان خاص، والامتناع من الكفار - فهذا تحرم عليه الهجرة؛ لأن مكان اعتزاله صار دار إسلام بامتناعه، فيعود بهجرته إلى حوزة الكفار، وهو أمر لا يجوز؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت