المبحث الثاني
أركان التحكيم وشروطه
أطراف التحكيم - صيغة التحكيم - محل التحكيم
يقوم التحكيم على اتفاقين متكاملين؛ الأول: بين الخَصمين، وبمقتضاه يتراضيان على شخص يفصل في النزاع القائم بينهما، والآخر: فيما بينهما وبين هذا الشخص الذي ارتضياه، وبمقتضاه يقبل أن يفصل في هذا النزاع، وقد يكون الخصمان اثنين أو أكثر، وقد يكون المحتكَم إليه واحدًا أو أكثر، وسوف نبدأ باستعراض الشروط الواجب توافرها في طرَفي النزاع، ثم شروط المحتكم إليه؛ (انظر بالتفصيل: الدوري 164 وما بعدها) .
شروط طرفي النزاع:
لا يعرض الفقهاء لشروط كل واحد من أطراف النزاع، اكتفاءً بأحكام الأهلية والولاية والتراضي، إلا قليلًا منهم ذكر هذه الشروط بإيجاز مجمل؛ مثل:
"وشرط التحكيم أن يكون الخصمان عاقلين"؛ (باز: 1305 هـ، جـ 2 ص 1194، ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق: 7/ 24) .
وقد وردت إشارات في كتب الفقه يفهم منها أن التحكيم وإن كان تولية في الصورة، فإنه صُلْحٌ في المعنى؛ (ابن نجيم: 7/ 24 - 25، سليم رستم باز، شرح المجلة، جـ 2 ص 1194) ، وأن تحكيم الحكم في الخصومة يشبه الوكالة من وجه، ويشبه حكم القاضي من وجه آخر؛ (سليم رستم باز: 2/ 1196) ، وبناءً على ذلك، يمكن القول بأنه: يشترط في الخصم أن يكون أهلًا لرفع الدعوى وإبرام عقد الصلح، ولما كان كل منهما تصرفًا يحتمل النفع والضرر، فإن جمهور الفقهاء يشترطون فيمن يباشرهما أن يكونَ عاقلًا بالغًا غير محجور عليه، ويكفي عند الحنفية أن يكون عاقلًا مميزًا.
وقد تعرض بعض الفقهاء لعدة فروع، من ذلك ما جاء في مغني المحتاج:"واستثنى البلقيني من جواز التحكيم: الوكيلين، فلا يكفي تحكيمهما، بل المعتبر تحكيم الموكلين والوليين، فلا يكفي تحكيمهما إذا كان مذهب المحكم يضر بأحدهما، والمحجور عليه بالفلس لا يكفي رضاه إذا كان مذهب المحكم يضر بغرمائه، والمأذون له في التجارة وعامل القراض لا يكفي تحكيمهما، بل لا بد من رضاء المالك، والمحجور عليه بالسفه لا أثر لتحكيمه، قال: ولم أرَ من تعرض لذلك"؛ (الشربيني الخطيب: 4/ 379) [1] .
(1) (( ابن عابدين: 5/ 430، الفتاوى الهندية: 3/ 271، وقد نصت المادة(203/ 4) من القانون الاتحادي رقم (11) لسنة 1992 في شأن الإجراءات المدنية على أنه: لا يصح الاتفاق على التحكيم إلا ممن له أهلية التصرف في الحق محل النزاع.