2 -وبناءً على ما سبق اشترط الفقهاء فيمن يتولى القضاء شروطًا لا تلزم فيمن يقوم بالتحكيم.
3 -وتطبيقًا لذلك جاز أن تكون ولاية القاضي عامة، أما المحكَّم فإنه يقتصر على الفصل في النزاع المطروح أمامه دون أن يتعداه إلى غيره، وخاصة ما يمتنع عليه أن ينظر فيه.
4 -وأهم ما يفترق فيه القضاء عن التحكيم: أن الأول لا يحتاج إلى اتفاق المتنازعين حتى ترفع الواقعة إليه - كما في التحكيم - وإنما لكل من المتنازعين أن يرفع الدعوى إلى القضاء، بإرادته المنفردة، ودون الحاجة إلى رضاء خصمه.
5 -فإذا رفع الأمر إلى القضاء، التزم كِلاَ الخصمين بالسير في الدعوى إلى حين صدور الحكم، أما في التحكيم فالعقد غير ملزم لأطرافه - عند البعض، ولا يصير ملزمًا إلا بعد صدور الحكم - عند البعض الآخر.
ثبتت مشروعية التحكيم بالكتاب والسنة والإجماع.
الكتاب:
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58] ، أمر الله من يحكم بين الناس أن يحكم بالعدل، والحكم بين الناس له طرق؛ منها: الولاية العامة والقضاء، ومنها: تحكيم المتخاصمين لشخص في قضية خاصة؛ (تفسير المنار: 1973، جـ 5 ص 13) .
وقال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35] ، وهذه الآية دليل على إثبات التحكيم ومشروعيته؛ (القرطبي: 5/ 179، تفسير المنار: 5/ 63 - 66) .
السنَّة:
ورد في الصحاح أن النبي صلى الله عليه وسلم قبِلَ تحكيم سعد بن معاذ فيما بين المسلمين وبني قريظة، وأنه أنفذ حكم سعد، وقال له: (( قضيتَ بحكم الله ) )؛ (البخاري، ج 3، ص 22، مطبعة الميمنة.
وفي الحديث الشريف: (( من حكم بين اثنين تحاكما إليه وارتضيا به فلم يعدِلْ بينهما بالحق، فعليه لعنة الله ) )؛ رواه أبو بكر، ولولا أن حكمه يلزمهما لما لحقه هذا الذم؛ (البهوتي، جـ 6 ص 309) .
الإجماع:
العمل بالتحكيم:"وقع لجمع من كبار الصحابة، ولم ينكره أحد، قال الماوردي: فكان إجماعًا"؛ (الشربيني: 4/ 378) .