الصفحة 19 من 38

المبحث الرابع

أنواع خاصة من التحكيم

احتكام غير المسلم إلى محاكم إسلامية - احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية - التحكيم في قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين في غير البلاد الإسلامية.

يقتضي بحث هذا الموضوع التطرق إلى أمرين؛ الأول: هل تمتد ولاية القاضي المسلم لتشمل قضايا غير المسلمين؟ والآخر: إذا امتدت ولاية القاضي المسلم لهذه القضايا، فبأي شرع يحكم؟

أولًا: ولاية القاضي المسلم على غير المسلمين:

تحكم ولايةَ القاضي المسلم على غير المسلمين قاعدتان جوهريتان؛ إحداهما عامة، تتمثل في قول الفقهاء:"لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، والأخرى خاصة، تتمثل في قولهم:"أمرنا بتركهم وما يَدينون".

ومقتضى القاعدة الأولى: أن يلتزم غير المسلم بحاكمية الشريعة الإسلامية النافذة على جميع رعايا الدولة، مثله في ذلك مثل المسلم سواءً بسواء؛ (الكاساني: 7/ 134، الحطاب: 3/ 355، الشيرازي: 2/ 358، ابن قدامة: 10/ 439) .

وعلى هذا جرى العمل في صدر الإسلام، ففي كتاب عمرو بن العاص إلى الخليفة عمر:"وبالله الذي لا يحلف بأعظم منه، إني لأقيم الحدود في صحن داري، على المسلم والذمي"؛ (خميس: 1978، ص 14) ، وجاء في كتب التاريخ:"وفي عام 120 هـ، ولي قضاء مصر: خير بن نعيم، فكان يقضي في المسجد بين المسلمين، ثم يجلس على باب المسجد بعد العصر، فيقضي بين النصارى، ثم خصص القضاة للنصارى يومًا يحضرون فيه إلى منازل القضاة ليحكموا بينهم، حتى جاء القاضي محمد بن مسروق الذي ولي قضاء مصر عام 177 هـ، فكان أول من أدخل النصارى في المسجد ليحكم بينهم"؛ (الكندي، ص 351، 390، ابن حجر: 1/ 132) .

ومقتضى القاعدة الثانية: ألا يكلف غير المسلمين بما له صبغة تعبدية أو دينية في نظر الإسلام؛ مثل: الجهاد والزكاة، وليس للحاكم المسلم أن يمنعهم مما أحله لهم دينهم - وقد حرمه الإسلام -؛ مثل: شرب الخمر وأكل الخنزير، ولا يتدخل القاضي المسلم فيما يعتقدون حله من أمور الزواج والطلاق والميراث وغير ذلك من الأحوال الشخصية، وفي ذلك: أرسل عمر بن عبدالعزيز إلى الحسن البصري، يسأله: لماذا نترك النصارى يأكلون الخنزير ويشربون الخمر، ونترك المجوس يتزوجون بناتهم؟ فرد عليه الحسن: على هذا دفعوا الجزية، وعلى هذا أقرهم السلف، وإنما أنت متبع لا مبتدع؛ (خميس، المرجع السابق، ص 52) .

وفي هذه الأحوال الشخصية كان الذميون يلجؤون إلى رؤسائهم الروحيين، يحتكمون إليهم فيما شجر بينهم، فكان هؤلاء الرؤساء يقومون بدور القضاة، وقد ألَّفوا كثيرًا من كتب القانون تتضمن الأحكام التي تتناسب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت