ومعتقداتهم في مسائل الزواج والميراث، وفي بعض المنازعات التي تخص المسيحيين وحدهم ولا تمس الدولة أو النظام العام، وفي الأندلس: كان النصارى يفصلون في خصوماتهم بأنفسهم، ولا يلجؤون للقاضي المسلم إلا في مسائل القتل؛ (القرضاوي ص 40 - 42 مع هـ 2) .
ويبدو أن هذه الأحكام الكنسية لم يكن لها قوة الإلزام إلا من الناحية الدينية، نلحظ ذلك في تحليل عبارات الفقهاء:"ولا يجوز أن يقلد الكافر القضاء على المسلمين ولا على الكفار، وقال أبو حنيفة: يجوز تقليده القضاء بين أهل دينه، هذا وإن كان عرف الولاة بتقليده جاريًا، فهو تقليد زعامة ورئاسة، وليس بتقليد حكم وقضاء، وإنما يلزمهم حكمه؛ لالتزامهم له، لا للزومه لهم، ولا يقبل الإمام قوله فيما حكم به بينهم، وإذا امتنعوا من تحاكمهم إليه لم يجبروا عليه، وكان حكم الإسلام عليهم أنفَذَ"؛ (الماوردي، 65/ 66) .
ولنا أن نفهم من قوله:"وإنما يلزمهم حكمه؛ لالتزامهم له، لا للزومه لهم"أن هذا يكون نوعًا من التحكيم، فيخضع للأحكام التي سبق إيرادها في المبحث الثالث [1] .
يبقى بعد ذلك أن نعرض لحكم ما إذا ترافع غير المسلمين إلى محاكم إسلامية في الأمور التي يختصون بها، وقد ميز الفقهاء في هذه المسألة بين الذميين (رعايا الدولة الإسلامية) ، وبين المعاهَدين (الأجانب الذين سمح لهم بالدخول مدة محددة) .
ففيما يتعلق بالمعاهَدين: يكاد يتفق الفقهاء على ضرورة اتفاق المتنازعين ورضاهما بحكم القاضي المسلم، وفي هذه الحالة يكون للقاضي الخيار بين قبول الدعوى والحكم فيها، وبين رفض الدعوى، فيرجعون إلى قضاء بلدهم، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: {فَإِنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42] ، حيث نزلت هذه الآية لبيان حكم المعاهَدين؛ (ابن العربي، 2/ 619، البيهقي: 2/ 73، الفخر الرازي، 11/ 235، القرطبي، 6/ 184، محمد عبده، 3/ 325، وانظر: مالك، 4/ 161، الشربيني الخطيب، 3/ 195، البهوتي: 1/ 731) ، ولا يشترط أبو يوسف ومحمد وزُفَرُ رضا الخصمين، فإذا رفع أحدهما الدعوى أمام القاضي المسلم وجب عليه أن يفصل فيها؛ (ابن الهمام، 2/ 504، الكاساني، 2/ 312) .
وفيما يتعلق بالذميين: يشترط أبو حنيفة رضاء الخصمين برفع الدعوى أمام القاضي المسلم، أما أصحابه أبو يوسف ومحمد وزُفَرُ فلا يشترطون هذا التراضي، كما هو الأمر بالنسبة للمعاهَدين؛ (الجصاص، 2/ 435 - 436، ابن الهمام، 2/ 504 - 505) .
عند المالكية: لا بد من رضاء الخصمين باللجوء إلى القاضي المسلم، وحينئذ يكون له الخيار أن يحكم بينهما، أو أن يعرض عنهما؛ (القرطبي، 6/ 184 - 185، مالك، 4/ 161) .
(1) (( انظر: ص 48 - 50 من هذا البحث.