الصفحة 21 من 38

عند الشافعية: يرى البعض اعتبار رضاء الخصمين،"ولكن عامة كلام الأصحاب على اعتبار رضا واحد إذا استعدى على خصمه"، فإن كان الذميان متفقين في الملة - كنصرانيين - وجب علينا الحكم بينهما - في الأظهر -؛ لأنه يجب على الإمام منع الظلم عن أهل الذمة، ومقابل الأظهر: لا يجب، بل يتخير، أما إذا اختلفت ملتهما - كيهودي ونصراني - فإن الحكم يجب بينهما جزمًا؛ (الشربيني، 3/ 195) .

وفي الفقه الحنبلي:"إن تحاكم بعضهم مع بعض، أو استعدى بعض على بعض: خُيِّر الحاكم بين الحُكم بينهم والإعراض عنهم"؛ (ابن قدامة، 10/ 623 - 624، المقدسي، 10/ 631) ، وفي الفروع:"وإن تحاكم إلينا ذميان، فعنه: يلزم الحكم ... وعنه: إن اختلفت الملة، وعنه: يخير إلا في حق آدمي، والأشهر: وفيه - أي: في حق الآدمي - كمستأمنين، فيحكم ويُعدى بطلب أحدهما، وعنه: باتفاقهما كمستأمنين، وفي الروضة - في إرث المجوس - يخير إذا تحاكموا إلينا، واحتج بآية التخيير (سورة المائدة: 42) ، وظاهر ما تقدم:"أنهم على الخلاف؛ لأنهم ذمة"؛ (ابن مفلح، 1967 م، جـ 6، ص 281) ، فنخلص من ذلك إلى أن الصحيح عند الحنابلة: أن الحاكم مخير، سواء رضي الخصمان به، أو استعدى أحدهما على خصمه، وسواء اتفقت ملَّتهما أو اختلفت؛ (المرداوي، تصحيح الفروع، 6/ 282) ."

ثانيًا: القانون الواجب تطبيقه على غير المسلمين:

لا خلاف بين علماء المسلمين - من أهل التفسير أو الفقه - على أن القاضي المسلم لا يجوز له أن يحكم بغير الشريعة الإسلامية، سواء أكان ذلك بين المسلمين أم كان بين غير المسلمين؛ وذلك لقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48] ، وقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49)، ولأن الأصل في الشرائع هو العموم في حق الناس كافة، إلا أنه تعذر تنفيذها في دار الحرب لعدم الولاية، وأمكن في دار الإسلام فلزم التنفيذ فيها؛ (الكاساني، 2/ 311 نقلًا عن أبي يوسف يعقوب، وانظر: ابن العربي، 2/ 619، البيهقي، 2/ 73، الطبري، 6/ 268، الفخر الرازي، 12/ 11، القرطبي، 6/ 186، مالك، 4/ 162، الشافعي، 4/ 130، ابن قدامة، 10/ 624) .

ولكن القاضي في تطبيقه لأحكام الشريعة الإسلامية على غير المسلمين يراعي القواعد والأحكام التي نص عليها الفقهاء، تطبيقًا لقاعدة:"أمرنا بتركهم وما يدينون"، باعتبارها قواعد موضوعية في الشريعة الإسلامية، وليست قواعد إسناد تحيل إلى شريعتهم أو إلى قانون آخر غير الشريعة الإسلامية؛ (عبدالكريم زيدان، 1984، ص 28 فقرة 31 وص 254) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت