فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل الدين، وأساس رسالة المرسلين، ولو طوي بساطه، وأهمل علمه وعمله، لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة، وعمت الفوضى، وهلك العباد [1] ، فعَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا" [2] ، وقال - صلى الله عليه وسلم:"كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا" [3] ، فإن واجب الأمة تجاه المنكر وفاعله؛ الإنكار عليه، بل أطْره على الحق، وقصره عليه، والأطر: الرد عليه [4] ، وإذا لم تؤد الأمة هذا الواجب، فهي مسؤولة عن وقوع العقاب، فإذا كان سكوتها على المنكرات غير مقبول، فالإعانة عليها من باب أولى [5] .
وتأكد ذلك بقول رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا، ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا، إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ" [6] ، وأيضًا عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ" [7] ؛ فاستحقاق
(1) - الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد الطوسي (ت 505 هـ) ، إحياء علوم الدين، الناشر: دار المعرفة - بيروت، ج 2 ص 306.
(2) - البخاري، صحيح البخاري، باب هل يقرع في القسمة، حديث رقم (2493) ، ج 3، ص 139.
(3) - أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (ت 275 هـ) ، سنن أبي داود،، (عدد الأجزاء: 4 (، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة العصرية، صيدا - بيروت، باب الأمر والنهي، حديث رقم(4336) ، ج 4 ص 121، ذكر المحقق حكم الألباني أنه حديث ضعيف. ورواه الترمذي، سنن الترمذي، باب من سورة المائدة، حديث رقم (3047) ، ج 5 ص 102 - 103 بلفظ (فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم: لاَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ عَلَى الحَقِّ أَطْرًا) ،قال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
(4) - معنى"أطرا": تأطروه أي تَعطِفوه عَلَيْهِ وكل شَيْء عطفته على شَيْء فقد أطرته تأطره أطرًا، ابن سلام، أبو عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي (ت 224 هـ) ،غريب الحديث، ط (1) ، (عدد الأجزاء: 4) ، (المحقق: محمد عبد المعيد خان) ،الناشر: مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، 1384 هـ، ج 1 ص 242.
(5) - الكيلاني، عبدالله إبراهيم (1997 م) ، القيود الواردة على سلطة الدولة وضماناتها، (ط 1) ، الناشر: دار البشير، عمان، الأردن، ص 232.
(6) - أبو داود، سنن أبي دواد، باب الأمر والنهي، حديث رقم (4339) ،ج 4 ص 122، قل الألباني: حديث صحيح. وفي رواية أخرى"ما من رجل يكون في قوم"رقم (4339) في كتاب الملاحم: باب الأمر والنهي. وفي سنده ابن جرير، قيل اسمه: عبيد الله لم يوثقه غير ابن حبان، لكن يشهد له الحديث السابق. ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري (ت 606 هـ) ، جامع الأصول في أحاديث الرسول، ط 1، (تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط و التتمة تحقيق بشير عيون، الناشر: مكتبة الحلواني - مطبعة الملاح - مكتبة دار البيان، حديث رقم(112) ، ج 1 ص 331.
(7) - الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، أبو عيسى (ت 279 هـ) ،الجامع الكبير - سنن الترمذي، (عدد الأجزاء: 6،(المحقق: بشار عواد معروف) ،الناشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت، سنة النشر: 1998 م، (،باب ما جاء في الأمر، حديث رقم(2169) ،ج 6 ص 38، قال عنه: حديث حسن.