إن قواعد الموازنات بين المصالح والمفاسد هي جملة من القواعد الأصولية التي تلتقي عند معنى الموازنة بين ما ينتهي إليه فعل ما من الأفعال، أو وضع ما من الأوضاع من المصلحة، وما ينتهي إليه من المفسدة، فيبنى الحكم الشرعي على نتيجة تلك الموازنة أمرًا إذا رجحت المصلحة، ونهيًا إذا رجحت المفسدة، ومن هذه القواعد:"درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة"، و"مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد"، و"المصلحة الدائمة مقدمة على المصلحة الظرفية"، وغير ذلك من القواعد المنثورة في المدونات الأصولية والفقهية [1] .
واعتبار مآلات الأفعال من القواعد الأصولية التي يجب اعتباراها في خطاب الأقليات المسلمة - بشكل خاص - وهي تعني أن الأحكام الشرعية تبنى في صيغتها النظرية المجردة أمرًا ونهيًا على اعتبار ما تؤدي إليه مناطاتها من الأفعال باعتبار أجناسها المجردة من مصلحة أو مفسدة [2] ، وهذا باب عظيم يجب ألا يغفل عنه من يتصدى للخطاب الفقهي للأقليات.
يقول الإمام الشاطبي - رحمه الله - في أهمية اعتبار مآلات الأفعال:
النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة؛ وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعًا لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى المفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم مشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغِبِّ، جارٍ على مقاصد الشريعة.
والدليل على صحته أمور:
أحدها: أن التكاليف - كما تقدم - مشروعة لمصالح العباد، ومصالح العباد إما دنيوية وإما أخروية، أما الأخروية فراجعة إلى مآل المكلف في الآخرة ليكون من أهل النعيم لا من أهل الجحيم، وأما الدنيوية فإن الأعمال إذا تأملتها مقدمات لنتائج المصالح، فإنها أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع، والمسببات هي مآلات الأسباب، فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب، وهو معنى النظر في المآلات، لا يقال: إنه قد مر في كتاب الأحكام أن المسببات لا يلزم الالتفات إليها عند الدخول في الأسباب؛ لأنا نقول وتقدم أيضًا أنه لا بد من
(1) انظر عبدالمجيد النجار، نحو منهج أصولي لفقه الأقليات المسلمة، بحث منشور بالمجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد الثاني، 1424 هـ - 2003 م، ص 61.
(2) المصدر السابق، ص 59.