الصفحة 25 من 36

اعتبار المسببات في الأسباب، ومر الكلام في ذلك والجمع بين المطلبين، ومسألتنا من الثاني لا من الأول؛ لأنها راجعة إلى المجتهد الناظر في حكم غيره على البراءة من الحظوظ، فإن المجتهد نائب عن الشارع في الحكم على أفعال المكلفين، وقد تقدم أن الشارع قاصد للمسببات في الأسباب، وإذا ثبت ذلك لم يكن للمجتهد بد من اعتبار المسبب، وهو مآل السبب.

والثاني: أن مآلات الأعمال إما أن تكون معتبرة شرعًا أو غير معتبرة، فإن اعتبرت فهو المطلوب، وإن لم تعتبر أمكن أن يكون للأعمال مآلات مضادة لمقصود تلك الأعمال، وذلك غير صحيح؛ لما تقدم من أن التكاليف لمصالح العباد، ولا مصلحة تتوقع مطلقًا مع إمكان وقوع مفسدة توازيها أو تزيد، وأيضًا فإن ذلك يؤدي إلى ألا نتطلب مصلحة بفعل مشروع، ولا نتوقع مفسدة بفعل ممنوع، وهو خلاف وضع الشريعة كما سبق.

والثالث: الأدلة الشرعية والاستقراء التام أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية؛ كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] ، وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] ، وقوله: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} [البقرة: 188] الآية، وقوله: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنعام: 108] الآية، وقوله: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [النساء: 165] الآية، وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة: 216] الآية، وقوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] .

وهذا مما فيه اعتبار المآل على الجملة.

وأما في مسألة على الخصوص فكثير، فقد قال في الحديث حين أشير عليه بقتل من ظهر نفاقه: (( أخاف أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ) ) [1] ، وقوله: (( لولا قومك حديث عهدهم بكفر، لأسست البيت على قواعد إبراهيم ) ) [2] ، بمقتضى هذا أفتى مالكٌ الأميرَ حين أراد أن يرد البيت على قواعد إبراهيم، فقال له:"لا تفعل؛ لئلا يتلاعب الناس ببيت الله"، هذا معنى الكلام دون لفظه، وفي حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتركه حتى يتم بوله، وقال: (( لا تُزْرِمُوه ) ) [3] ، وحديث النهي عن التشديد على النفس في العبادة خوفًا من الانقطاع [4] ، وجميع ما مر في تحقيق المناط الخاص مما فيه هذا المعنى، حيث يكون العمل في الأصل مشروعًا، لكن ينهى عنه؛ لما يؤول إليه من المفسدة، أو ممنوعًا، لكن يترك النهي عنه؛ لما في

(1) رواه البخاري بلفظ مختلف، الجامع الصحيح، رقم 3518، وكذا مسلم، الصحيح، رقم 2584.

(2) رواه البخاري بلفظ مختلف، الجامع الصحيح، رقم 126 و 1586، وكذا الهيثمي، مجمع الزوائد، 3/ 294.

(3) رواه البخاري، الجامع الصحيح، رقم 6025، ومسلم، الصحيح، رقم 285.

(4) علَّه يقصد حديث: (( إن هذا الدِّينَ متين، فأوغل فيه برفق؛ فإن المُنْبَتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى ) )، الذي رواه البزار، الأحكام الشرعية الكبرى، 3/ 264، ورواه أيضًا الدارقطني، المقاصد الحسنة، رقم 458.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت