فانظر كيف تعلق قلبه بحبيبته؛ حتى أكبَّ على جماد يقبله، لأنه يأوي من يحب، وهذا الكلام وإن خرج مخرج المجازات التي عرف بها الشعراء إلا أن لها واقعا يبرز من خلال شد الرحل إلى مدينة البندقية في إيطاليا وهي مدينة الحب فيما زعموا!، ولا ريب أن هذا من صميم طاعة الكافرين التي حذر الله منها؛ فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) } آل عمران: 149.
ومن الثالث: أي تعظيم الإنسان؛ إنزال المحبوب منزلة الخالق جل وعلا أو منزلة ملك منزل أو نبي مرسل، أو أن يَخْلَعَ عليه ما يقتضي مناقضة التوحيد، ومن جنسه ما حكاه القاضي ابن العربي عن بعض المفتونين في قوله:
لَوْ لَمْ تُلَامِسْ صَفْحَةُ الْأَرْضِ رِجْلَهَا لَمَا كُنْت أَدْرِي عِلَّةً لِلتَّيَمُّمِ.
وقد عقب عليه ابن العربي بقوله:"وَهَذَا كُفْرٌ صُرَاحٌ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ". [1]
إن بعض المحبين قد حملهم الحب على أن عَدَلُوا محبوبهم بربهم؛ وهذا يضاهي عمل الكافرين الذي أنكره الله تعالى عليهم بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) } الأنعام: 1.
يقول الإمام الشنقيطي:"ومعنى يعدلون يجعلون له نظيرًا في العبادة .... وهذا الوجه الأخير يدل له القرآن، كقوله تعالى عن الكفار الذين عدلوا به غيره: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) } الشعراء: 97 - 98". [2]
وما أكثر هذا العدول في بعض غلاة المحبين؛ فمنهم من يُنزِّلُ محبوبه منزلة معبوده، ومنه قول الشاعر:
يا عمرو ناد عبد زهراء ... يعرفه السامع والرائي
لا تدعني إلاّ بيا عبدها ... فإنّه أشرف أسمائي.
يصعق سمعنا هذا بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشدد النكير على هذه الإطلاقات حين يقول: «لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي. فَكُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَقُلْ فَتَايَ. وَلاَ يَقُلِ الْعَبْدُ رَبِّي. وَلَكِنْ لِيَقُلْ سَيِّدِي» . [3]
وأشد مما مضى ما حكاه ابن الجوزي؛ فقال:"وقد قال بعض الخلعاء:"
أيا رب تخلق أقمار ليل ... و أغصان بان و كثبان رمل
و تنهى عبادك أن يعشقوا ... أيا حاكم العدل ذا حكم عدل؟!
(1) ـ أحكام القرآن (3/ 437) .
(2) ـ أضواء البيان (1/ 469) .
(3) ـ رواه مسلم في الألفاظ من الأدب، باب حكم إطلاق لفظ العبد والأمة، رقم: 2249، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - مرفوعا.