الصفحة 30 من 35

العيوب و إما لتشتت بعض الخلال الممدوحة بالنفوس من جهة مناسبة وقعت بين الشخصين كالظريف مع الظريف و الفطن مع الفطن فيوجب ذلك المحبة.

فأما العشق فلا فهم أبدا في السير فلا يوقف وابل الطبع تتبع حادي الفهم فإن للطبع متعلقا لا تجده في الدنيا لأنه يروم مالا يصح وجوده من الكمال في الأشخاص فإذا تلمح عيوبها نفر". [1] "

المبحث السابع: الصبر:

الصبر أنجع دواء للمحبين؛ فلا ينكر العاقل أن الحب إذا استوى على عرش القلب انقلب قوة جارفة يشقُّ دفعها؛ فالتدرُّعُ بالصبر كفيل بكَبْحِ جُمُوحِه وكفِّ صولته؛ ومن لطائف التفسير في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} البقرة: 286 أنه فُسِّرَ بالحب والعشق. [2]

ولو عبرنا عن ما تقدم من وسائل علاجية بالصبر لكان وجيها؛ فهي في حقيقتها فرع عن تصبر المكلف؛ والذي أقصده بالصبر في هذا المقام هو حبس النفس عن البوح بمكنون الفؤاد، وطي القلب عن الحب؛ فلا يظهر منه فعل ولا تبدو منه كلمة؛ وهذا أسلم لصاحبه؛ لأنه أنفى للإثم عنه.

يقول ابن الجوزي:"و ما فهم هؤلاء سر النهي ولا معناه؛ لأنه ما نهى عن العشق وإنما نهى عن العمل بمقتضى العشق من الأشياء المحرمة كالنظر واللمس والفعل القبيح وفي الامتناع عن المشتهي دليل على الإيمان بوجود الناهي كصبر العطشان في رمضان عن الماء فإنه دليل على الإيمان بوجود من أمر بالصوم وتسليم النفوس إلى القتل والجهاد دليل على اليقين بالجزاء ثم المستحسن أنموذج ما قد أعد فأين العقل المتأمل؟!". [3]

بل إن الصابر على هذا النحو مأجور غير مأزور؛ لأن فعله اشتمل على أنواع الصبر الثلاثة؛ فهو من جنس الصبر عن المعصية؛ لأنه حبس نفسه عن مقتضيات العشق المحظورة، وهو صبر على الطاعة؛ لأن العشق لم يقعده عن المأمورات الشرعية؛ وهو صبر على أقدار الله تعالى؛ لأن الحب على هذا النحو بلاء يتصبر المؤمن في مدافعته.

وقد جنح شيخ الإسلام إلى أن الصابر على النحو المذكور يندرج في زمرة الأتقياء؛ لأنه غالب هواه، يقول:"فَأَمَّا إذَا اُبْتُلِيَ بِالْعِشْقِ وَعَفَّ وَصَبَرَ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى تَقْوَاهُ اللَّهَ وَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: {أَنَّ مَنْ عَشِقَ فَعَفَّ وَكَتَمَ وَصَبَرَ ثُمَّ مَاتَ كَانَ شَهِيدًا} وَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَتَّاتِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا"

(1) ـ صيد الخاطر، ص 117.

(2) ـ انظر: تفسير البغوي (1/ 404) .

(3) ـ صيد الخاطر، 533.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت