الصفحة 19 من 35

فأن يحب رجل امرأة سوداء؛ فهذا لا يضيره؛ لأن كل خلق الله حسن، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) } التين: 4، أما أن يحب الكلاب السود لمشاكلتها للون محبوبته؛ فهذا ما يدل على خَبَلٍ في العقل وانحراف في الذوق وفساد في المزاج.

المطلب الرابع: العُطْلَةُ عن العمل المثمر:

يغلب على العشاق الفراغ؛ ولا نقصد بالفراغ هنا فراغ القلب الذي تقدم؛ وإنما نقصد خُلوَّ العاشق من عمل مثمر يستغرق وقته ويستنزف جهده ويشغل عقله؛ فلا يلتفت بعدها إلى عشق الصور.

ومعلوم أن الفراغ يتنافى مع ما أولاه القرآن الكريم من عناية بالوقت؛ ولا أدل على هذا من سورة العصر؛ فقد أقسم الله تعالى بالوقت في صدرها؛ فقال: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } العصر: 1 - 3.

وسورة العصر سورة جامعة حتى قَالَ فيها الإمامُ الشَّافِعيُّ:"لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلا هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ"، فالمتأمل في هذه السورة يدرك اقتران الخسارة بالفراغ؛ فجواب القسم ورد مؤكَّدا بإنَّ ليفيد خسارة جنس الإنسان؛ ثم استثنى من الخاسرين من اتصفوا بأربع صفات؛ وهي العلم والعمل به والدعوة إلى الحق والصبر على الأذى فيه.

ونلحظ أن العمل الصالح من أهم هذه المراتب إن لم يكن مستوعبا لها جميعا فالتعلم أو الدعوة أو الصبر أعمال، وعليه فسبيل الربح هو العمل ومهيع الخسران ترك العمل؛ ولهذا لا يتمنى أهل النار الرجوع إلى الدنيا إلا من أجل العمل الصالح؛ كما جاء في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) } المؤمنون: 99 - 100.

وقوله أيضا: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) } المنافقون: 10.

ولعظيم شرف سورة العصر كان الصحابة يحرصون على قراءتها حال التفرق؛ فعن أَبِي مَدِينَةَ الدَّارِمِيِّ - رضي الله عنه:"كَانَ الرَّجُلانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا الْتَقَيَا لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَقْرَأَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) } ، ثُمَّ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ". [1]

(1) ـ رواه الطبراني في الأوسط، رقم: 5124، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم: 2648.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت