وهو المراد أيضًا في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) } الجمعة: 10.
فإنَّ الابتغاء من فضل الله هنا هو التصرف بوجوه التجارة والكسب وليس ذلك مما يناسبه ذكر اللسان كثيرًا، فإن ذكر اللسان يطلب فيه التدبر، وأن ذلك غير متيسر للمشتغل بالبيع والشراء". [1] "
وبعد هذا البيان أود أن أبيِّن أن القرآن الكريم احتفى بالعمل وعُنِيَ به عناية بالغة؛ برهانه تكرر صيغة: {آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ، في القرآن خمسين مرة؛ فضلا عن تركيب الصيغة نفسه؛ فقد عطف فيها العمل على الإيمان من باب عطف الخاص على العام لبيان أهميته وتنويها بعظم شأنه.
ولما ذكر الله تعالى صفات أحبائه قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) } المائدة: 54.
ندرك من قراءتنا للآية كيف اقترنت المحبة بالعمل؛ فبعد أن امتن عليهم بحبه، وأنعم به من فضل؛ ثنَّى بذكر أعمالهم الصالحة وعلى رأسها الجهاد في سبيل الله؛ الذي ورد بصيغة الفعل المضارع الذي يدل على التَّكرر؛ وهو ما يفيدنا أن العمل الصالح يشغل عن سَفْسَافِ الأمور، ومنها عشق الصور.
فالعامل بِمَنْأَى عن هذه الآفات، وضد العمل البطالة التي تورث كل آفة؛ وهل قامت دول وسقطت دول إلا بِهِمَّة قادتها أو انتكاسها؛ فهذا أبو مسلم الخراساني الذي أقام للعباسيين دولتهم، كان منهمكا في عمله حتى إنه ينشغل عن أهله السنة فلا يقربهن!؛ في حين أن ملكا من آخر ملوك بني أمية يموت كمَدًا على جارية له!، [2] وإذا كان حال أبي مسلم حال العامل للدنيا فما بالك بمن انشغل بما يصلحه في الدارين؟!.
لا يبتلى بالحب الممنوع إلا من زهد في الآخرة وعظمت في عينه الدنيا؛ فيشغله العرض الزائل عن النعيم الخالد، واقرأ إن شئت قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20) } الأحقاف: 20.
(1) ـ مجالس التذكير (1/ 61) .
(2) ـ انظر: وفيات الأعيان (3/ 148) ، السير (5/ 151) .