الصفحة 4 من 35

المبحث الأول: الحب في القرآن بين الإقرار والمنع:

لو أننا تتبعنا كلمة الحب ومواطن ورودها في القرآن ومدلولاتها فلن تَفِيَ هذه الورقات بإبراز هذا الموضوع، ولهذا فسأنحو منحى التخصيص في البحث وسأوجه شَبَاةَ القلم إلى مدلول الحب الخاص؛ وهو المعنى العرفي المتبادر إلى الذهن، والمتمثل في حب الرجل للمرأة والعكس، هذا التصور الذي اكتسح واقع الناس بعنف فولَّد ظواهر غريبة فَاقَمتْ ما كانت تعانيه البشرية قبل ذلك.

ابتداء لا بد أن نبين أن كلمة الحب ترجع إلى الجذر اللغوي: حب، ومداره على معنى اللزوم والإقامة على الشيء؛ فكأن المحب لزم محبة محبوبه وأقام عليه عاكفا، والمتتبع لنصوص القرآن الكريم لا يجد استعمالا قرآنيا لهذه الكلمة في هذا المدلول صراحة اللهم إلا في موطنين، أحدهما قوله - عز وجل: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } [التوبة: 24] ، فأنت ترى أن اسم التفضيل:"أحب"توسط بين محبوبين أحدهما ألزم للقلب من الآخر. والثاني: قوله - عز وجل: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30) } يوسف: 30.

فقد تضمنت الآية بيانا لمقدار حب امرأة العزيز ليوسف؛ حيث وصفت النسوة درجة حبها؛ فقلن:"قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا"، والشَّغَفُ مرتبة عالية في الحب؛ ذلك أنه يبلغ شغاف قلب المحب؛ وعلامة هذه الرتبة غلبة الامتناع عن الغذاء والنوم؛ كما يقول الإمام ابن حزم:"... ثم الشغف، وهو امتناع النوم والأكل والشرب إلا اليسير من ذلك وربما أدى ذلك إلى المرض، أو إلى التوسوس، أو إلى الموت، وليس وراء هذا منزلة في تناهي المحبة أصلًا". [1]

بينما نلحظ أن القرآن صَدَفَ عن هذه الكلمة في قوله - سبحانه وتعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) } الروم: 21؛ فاستعاض عن الحب بلفظ المودة، وهي مصدر ميمي لفعل: ود، على القول بالاشتقاق من الأفعال، وهو راجع إلى معنى الحب الخالص كما يدل عليه جذره اللغوي؛ يقول ابن فارس:" (ود) الواو والدال: كلمةٌ تدلُّ على مَحَبَّةٍ،"

(1) ـ الأخلاق والسير، ص 62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت