لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) الحج: 52 - 54.
فإذا رجعنا البصر إلى موضوعنا ألفينا أن جُلَّ من يبتلى بالحب الممنوع إنما يؤتي من قبل قلبه؛ فالطبيعة تأبى الفراغ؛ فإذا زاحم حب الله تعالى حب الصور غلب الثاني في القلب القاسي والمريض؛ يقول ابن القيم:"... وعشق الصور إنما تبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله تعالى المعرضة عنه المتعوضة بغيره عنه فإذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إلى لقائه دفع ذلك عنه مرض عشق الصور .... ولهذا قال بعض السلف: العشق حركة قلب فارغ يعني فارغا مما سوى معشوقه قال تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ (10) } القصص: 10، أي: فارغا من كل شيء إلا من موسى لفرط محبتها له وتعلق قلبها به". [1]
لا يمكننا أن نضع خطا فاصلا بين هذا السبب والذي قبله فمحل الحب والبغض هو القلب؛ مصداقا لقوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} البقرة: 93، والمراد حب العجل.
لكنني أَتَغَيَّا من التنصيص على هذا السبب الاحتفالَ بأمر مهم؛ وهو أن وصف القلب بصفة الفراغ إنما هو باعتبار فراغه مما يهمه؛ أما هو في حقيقة أمره فمملوء بذكر محبوبه الذي هو من عرض الدنيا الفاني.
إن القرآن العظيم واضح في هذه الجزئية؛ فلا وجه للالتقاء بين الركون المطلق إلى الدنيا والسعي إلى الظفر بالآخرة؛ فمن أسرف في طلب الدنيا وانقطع إلى تحصيل أعراضها عظمت في عينه الدنيا وتعلق بزخرفها الزائل، وفاته بحسب صنيعه حظه من الآخرة.
ولن تستغرب بعدها إذا نزل الوعيد الشديد على من هذا حاله؛ كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) } يونس: 7 - 8، وغير خاف أن الفعل المضارع يدل على التكرر والاستمرار؛ فيؤخذ من الآية أن الزهد في لقاء الله تعالى هو ديدنهم وهِجِّيرُهُمْ، بل نتلمس أيضا أنه لا حظ في قلوبهم لهذا الرجاء طوال حياتهم وهو ما يستفاد من عموم الفعل المضارع الذي تسلَّط عليه النفي.
(1) ـ زاد المعاد (4/ 246) .