في المقابل نجد أن ركونهم إلى الدنيا متحقق وكُلِّيٌّ إلى درجة أن قلوبهم اطمأنت بها أي سكنت سكونا تاما أشبه ما يكون بسكون قلوب الأتقياء عند ذكر الله تعالى، ويساعد على هذا الفهم صيغة الفعل الماضي [اطمأنوا، رضوا] .
وقلنا إن انقطاعهم كُلي بدلالة غفلتهم إزاء ما عرض عليهم من آيات الله بنوعيها الكوني والشرعي؛ فكلمة [آياتنا] جمع أضيف فأفاد العموم؛ فهم عن جميعها غافلون؛ وهذه صفة أصيلة فيهم بدليل ورود الجملة اسمية للدلالة على الثبوت؛ فضلا عن إفادتها الحصر من خلال تقديم ما حقه التأخير، وهو ما زاده قوةً ضمير الفصل في الجملة.
وفي مقام آخر يحكي القرآن محاورة أهل النار لأهل الجنة؛ يقول تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) } الأعراف: 50 - 51.
فقد نعت الكافرين بصفات صدَّرَها باتخاذهم الدين لهوا ولعبا؛ والفرق بين اللهو واللعب إنما هو باعتبار آلته فما رجع إلى القلب فهو لهو وما رجع إلى الجوارح فهو لعب، ثم عطف عليه اغترارهم بالدنيا فبذلوا من أجلها الأخرى، وهل كفر من كفر إلا بإيثار الدنيا على الآخرة، كما في قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) } النحل: 106 - 107.
فلفظ ذلك من أدوات الحصر؛ ويفهم منه أن سبب كفرهم إيثار العاجلة على الآجلة.
فإذا ولينا جهة الحب الممنوع ألفيناه إخلادا إلى حطام الدنيا الفاني وانشغالا به عن الباقي؛ فقد عظُمت الصورة في عين محبها حتى بذل دينه من أجلها؛ حتى إن بعضهم يهوي إلى درك الكفر بسبب حبه؛ وفي التواريخ عبرة للمعتبرين.