الصفحة 14 من 35

ومثل هذا ينشده جماعة من العلماء و يستحسنونه و هو كفر محض". [1] "

ولا وجه للغرابة بعدها أن نجد الإمام ابن القيم يعد العشق لونا من ألوان الشرك في المحبة مع الله تعالى؛ فيقول:"وَكَيْفَ يَكُونُ الْعِشْقُ الَّذِي هُوَ شِرْكٌ فِي الْمَحَبَّةِ، وَفَرَاغُ الْقَلْبِ عَنِ اللَّهِ، وَتَمْلِيكُ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ، وَالْحُبُّ لِغَيْرِهِ تُنَالُ بِهِ دَرَجَةُ الشَّهَادَةِ؟!، هَذَا مِنَ الْمُحَالِ، فَإِنَّ إِفْسَادَ عِشْقِ الصُّوَرِ لِلْقَلْبِ فَوْقَ كُلِّ إِفْسَادٍ، بَلْ هُوَ خَمْرُ الرُّوحِ الَّذِي يُسْكِرُهَا، وَيَصُدُّهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَحُبِّهِ، وَالتَّلَذُّذِ بِمُنَاجَاتِهِ، وَالْأُنْسِ بِهِ، وَيُوجِبُ عُبُودِيَّةَ الْقَلْبِ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ قَلْبَ الْعَاشِقِ مُتَعَبِّدٌ لِمَعْشُوقِهِ، بَلِ الْعِشْقُ لُبُّ الْعُبُودِيَّةِ، فَإِنَّهَا كَمَالُ الذُّلِّ وَالْحُبِّ وَالْخُضُوعِ وَالتَّعْظِيمِ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَعَبُّدُ الْقَلْبِ لِغَيْرِ اللَّهِ مِمَّا تُنَالُ بِهِ دَرَجَةُ أَفَاضِلِ الْمُوَحِّدِينَ وَسَادَاتِهِمْ، وَخَوَاصِّ الْأَوْلِيَاءِ، فَلَوْ كَانَ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ كَالشَّمْسِ، كَانَ غَلَطًا وَوَهْمًا، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَفْظُ الْعِشْقِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ الْبَتَّةَ". [2]

هذا، وبعد أن أظهرنا فيما سبق شيئا من لوازم الحب الممنوع؛ يتبادر إلى خَوالِج النفس سؤال مُحيِّر، ما الذي حمل هؤلاء على التيه في هذه المهامه؟!، ونجيب عن هذا بإذن الله تعالى في المبحث الموالي الذي نبين من خلال أسباب السقوط في شراك الحب الممنوع.

المبحث الثالث: أسباب الحب الممنوع:

بليَّة الحب على النحو المدروس لها ثمرات خبيثة أصلها شجرة خبيثة، ولن نستطيع أن ننتهي إلى إبادة هذه الثمرات الخبيثة وأصل الشجرة باق، ولهذا يتعين علينا معرفة أسباب الحب الممنوع؛ فلكل مسبب سبب؛ ويمكن اقتضابها في الأسباب التالية:

المطلب الأول: فراغ القلب:

أولى المولى تبارك وتعالى القلب شأنا بالغا في كتابه الكريم؛ فهو وعاء الإيمان كما أنه محل الكفر؛ وقد يتزاحم على القلب مادة الإيمان ومادة الكفر؛ فأما القلب الأول الذي حُشيَ إيمانا؛ فهو القلب السليم، الذي أثنى الله تعالى به على خليله إبراهيم - عليه السلام -؛ فقال: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) } الصافات: 83 - 84، وصاحب هذا القلب قد أحرز نجاته يوم القيامة مصداقا لقوله تعالى: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) } الشعراء: 87 - 89.

(1) ـ صيد الخاطر، ص 533.

(2) ـ زاد المعاد (4/ 254) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت