من أجل هذا لا يبتلى بالحب المحظور غالبا إلا من اشتد فراغه وقل عمله؛ وشغل عن المقصود الأكبر من الخلق وهو العبادة كما في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } الذاريات: 56، وسنزيد المسألة إيضاحا ببيان ضدها ضمن حديثنا عن العلاج في المبحث الموالي إن شاء الله تعالى.
ما أنزل الله من داء إلا وجعل له الدواء؛ والقرآن الكريم طب النفوس ودواؤها وعافية الأبدان وشفاؤها، قال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) } الإسراء: 82، ومن خلال معرفة دواعي الحب المحظور يتبادر إلى الذهن طرق علاجه التي نلخصها في الآتي:
المطلب الأول: حب الله تعالى:
الطبيعة تأبى الفراغ؛ والقلب هو محل الحب؛ فإما أن يملأ بما ينفع أو يملأ بما يضر؛ وأصل البلاء بالعشق هو ضعف التوحيد في النفس؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"وما يبتلى بالعشق أحد إلا لنقص توحيده وإيمانه، وإلا فالقلب المنيب فيه صارفان يصرفانه عن العشق، إنابته إلى الله ومحبته له، وخوفه من الله". [1]
وهنا أجد القلم يؤزني أزا إلى الحديث عن صلة الحب بالإخلاص؛ فلبُّ التوحيد محبة الله تعالى؛ ولا توحيد لمن لا إخلاص له، كما أنه لا خلاص من العشق لمن لا إخلاص له؛ وما أبدع استنباط شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال:"وَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ مُحِبًّا لِلَّهِ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ لَمْ يُبْتَلَ بِحُبِّ غَيْرِهِ أَصْلًا، فَضْلًا أَنْ يُبْتَلَى بِالْعِشْقِ. وَحَيْثُ اُبْتُلِيَ بِالْعِشْقِ فَلِنَقْصِ مَحَبَّتِهِ لِلَّهِ وَحْدَهُ. وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ يُوسُفُ مُحِبًّا لِلَّهِ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ لَمْ يُبْتَلَ بِذَلِكَ بَلْ قَالَ تَعَالَى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) } يوسف: 24، وَأَمَّا امْرَأَةُ الْعَزِيزِ فَكَانَتْ مُشْرِكَةً هِيَ وَقَوْمُهَا؛ فَلِهَذَا اُبْتُلِيَتْ بِالْعِشْقِ!". [2]
هذا الاستدلال متفرع من دلالة الإيماء المستفادة من التوكيد الذي ذيلت به الآية؛ قال ابن القيم تعليقا على الآية"... ؛ فدل على أن الإخلاص سبب لدفع العشق وما يترتب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته؛ فصرف المسبب صرف لسببه"؛ [3] وعليه فلا يبتلى بآفة الحب الممنوع إلا من خدش إخلاصه.
(1) ـ مجموعة الفتاوى (10/ 83) .
(2) ـ مجموعة الفتاوى (10/ 83) .
(3) ـ زاد المعاد (4/ 246) .