الصفحة 21 من 35

إذا ظهر هذا؛ فمعلوم أن حب الله تعالى من الفرائض، وهي فريضة لا تقبل القسمة؛ وقد أزرى الله على الكفار محبتهم لمعبوداتهم الباطلة بلْهَ مضاهاتها في المحبة لله تعالى؛ قال الله - جل جلاله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) } البقرة: 165.

قال ابن عاشور:"واعلم أن المراد إنكار محبتهم الأنداد من أصلها لا إنكار تسويتها بحب الله تعالى وإنما قيدت بمماثلة محبة الله لتشويهها وللنداء على انحطاط عقول أصحابها وفيه إيقاظ لعيون معظم المشركين وهم الذين زعموا أن الأصنام شفعاء لهم كما كثرت حكاية ذلك عنهم في القرآن فنبهوا إلى أنهم سووا بين محبة التابع ومحبة المتبوع ومحبة المخلوق ومحبة الخالق لعلهم يستفيقون فإذا ذهبوا يبحثون عما تستحقه الأصنام من المحبة وتطلبوا أسباب المحبة وجدوها مفقودة كما قال إبراهيم عليه السلام: {يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) } مريم: 42 مع ما في هذه الحال من زيادة موجب الإنكار". [1]

ومما يبين ضرورة إخلاص المحبة لله مجيء الوعيد الشديد لمن يقدم محبوباته على حب الله تعالى؛ وهو قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } التوبة: 24.

ولما مدح الله تعالى العاملين بالدين الناصرين له نعتهم بصفة المحبة الخالصة الصادقة المستمرة؛ فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) } المائدة: 54، فإن وجدت ثَلْمَةٌ صغيرة في هذه المحبة في قلوب أولياء الله - جل جلاله - فإن الله يغار، ورحم الله ابن الجوزي؛ حين قال:"أحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - عائشة رضي الله عنها فجاء حديث الإفك، ومال إلى زينب فجاء: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} الأحزاب: 37". [2]

نقرر هذه الحقيقة التي هي من الظهور بمكان؛ لنخلص إلى أنه لا علاج للحب إلا بالحب؛ فإذا امتلأ القلب بحب الله - سبحانه وتعالى - لم يبق للصورة أثرٌ أمامها؛ وإذا جاء نهرُ الله بطل نهر مَعْقِلٍ!، وهنا فقط يذوق القلب حلاوة

(1) ـ التحرير والتنوير (2/ 91) .

(2) ـ صيد الخاطر، ص 555.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت