الصفحة 18 من 35

المطلب الثالث: العمى عن عيوب المحبوب:

أصل البلاء بعشق الصور هو انحباس النظر عن رؤية معايب المحبوب؛ والعرب تقول: حبك الشيء يعمي ويصم، والأصل فيه ما جاء في قوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} البقرة: 93.

قال الإمام ابن الجوزي:"أي: سقوا حب العجل، فحذف المضاف، وهو الحب، وأقام المضاف إليه مقامه". [1]

فقد كَلفَ بنو إسرائيل بعجلهم؛ حتى تشرَّبت قلوبهم ذلك فما أطاقوا فراقه؛ وغابت عقولهم عن حقيقته فعبدوه من دون الله تعالى؛ ولو أنعموا النظر فيما عبدوا لعلموا ضحَالةَ فكرهم وقصور إدراكهم؛ وهذا ما شنَّعه الله تعالى عليهم بقوله: {أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89) } طه: 89.

وما حصل لبني إسرائيل في حب العجل يحدث لعاشق الصور؛ فعاطفته تحجب عقله عن النظر؛ وتشل عقله عن الفكر؛ فيرى الحسن قبيحا والقبيح حسنا، وشاهد هذا ما صرخت به امرأة مسيلمة الكذاب حين قَتْلِهِ؛ فقد رفعت عَقِيرَتَها بالقول:"وا أمير الوضاءة، قتله العبد الأسود!". [2]

تصفه بما سمعتَ وهو الذي جمع بين سوء الخَلْقِ والخُلُقِ؛ وقبح المنظر والمخبر، وقد استهجن أناس من قيس عشقه لليلى؛ ورأوها قاصرة في جمالها عن رفيع الرتبة التي تبوأتها في قلب قيس؛ فقال: انظروا إليها بعيني!.

قال ابن القيم:"وقد يكون الجمال في نفسه ناقصا لكن هو في عين المحب كامل فتكون قوة محبته بحسب ذلك الجمال عنده فإن حبك للشيء يعمي ويصم فلا يرى المحب أحدا أحسن من محبوبه كما يحكى أن عزة دخلت على الحجاج فقال لها يا عزة والله ما أنت كما قال فيك كثير فقالت أيها الأمير إنه لم يرني بالعين التي رأيتني بها."

ولا ريب أن المحبوب أحلى في عين محبه وأكبر في صدره من غيره وقد أفصح بهذا القائل في قوله

فوالله ما أدري أزيدت ملاحة ... وحسنا على النسوان أم ليس لي عقل". [3] "

إن الحب الممنوع ضرب من الجنون؛ فصاحبه سكران بشراب الهوى لا يفيق ولا يصحوا، ومن غرائب جنونهم قول أحدهم وقد عشق امرأة سوداء:

أُحِبُّ لِحُبِّهَا السُّودَانَ حَتَّى ... أُحِبُّ لِحُبِّهَا سُودَ الْكِلَابِ.

(1) ـ زاد المسير (1/ 88) .

(2) ـ البداية والنهاية (6/ 357) .

(3) ـ روضة المحبين، ص 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت