فَجِئْتُهَا بِهَا فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ. فَقُمْتُ عَنْهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّى فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً؛ فَفَرَجَ لَهُمْ". [1] "
وهو شاهد لما ذكرناه؛ ومن ثم فدعاوى العفة في الحب وإن سلمناها فهي دعاوى باطلة في أكثرها لا يُسندُها شرع ولا يقرها واقع.
لا يخفى على كل مسلم أن وظيفة العبودية تقتضي فعل المأمورات واجتناب المحظورات؛ فبقدر امتثال المسلم لربه - عز وجل - بقدر ما يتحقق فيه وصف العبودية الاختيارية التي امتدحها الله تعالى في الصفوة من خلقه؛ فقال - عز وجل: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) } ص: 45.
ويوم أن ذكر المولى - سبحانه وتعالى - فضله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حادثة الإسراء خصه بوصف العبودية؛ فقال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) } الإسراء: 1، والركن الركين في العبادة مبناه على حب الله تعالى حبا لا يُضاهيه حب؛ فإذا زاحَمَهُ حب دنيوي ولَّد الركون إلى الدنيا؛ فهَان على المرء تضييع الأمر والنهي.
وقد بدا هذا في جُرْمِ قابيل في حق هابيل من أجل امرأة عَلِقَ بها قلبه؛ فساء بها سَعيُه، واقرأ إن شئت قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) } المائدة: 27.
قال ابن عباس - رضي الله عنه:"نهي أن تنكح المرأة أخاها تَوْأمها، وأمر أن ينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة، فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة، وولد له أخرى قبيحة دميمة، فقال أخو الدميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي. قال: لا أنا أحق بأختي فقربا قربانا، فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله". [2]
هذا الأثر الصحيح يحتمل أن يكون من قبيل الموقوف الذي له حكم الرفع وفيه ضعف، والأظهر أنه من أخبار بني إسرائيل التي لم تتعارض مع شرعنا، وقد كان ابن عباس - رضي الله عنه - ممن يستبح الرواية عنهم ضمن الضابط الذي
(1) ـ رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، 3465، ومسلم في الرقاق، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة، رقم: 2743، واللفظ لمسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا.
(2) ـ رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن كثير: إسناد جيد، انظر: تفسير ابن كثير (2/ 59) .