نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) يوسف: 30 - 32.
لقد بذلت وسعها في استحضار كل أنواع الزينة ومظاهر الأبهة في المجلس؛ فلفظة _ متكأ _ وحدها تحملك على تخيُّل ما لذَّ من الأطعمة وما لَان من الأفرشة؛ إن التنكير في هذه الكلمة يعطي رَحَابة في التخيلات؛ ولكن كل هذه البَهْرجة غير مقصودة لذاتها فوراء الأَكَمَةِ ما وراءها؟!
خرج يوسف يَرْفُلُ في حُلَّته الأنيقة وعليه مَسْحَةُ الجمال الباهر التي حباه الله تعالى بها، لتحصل المفاجأة؛ أقبلت النسوة على جَرح أيديهن من غير شعور وإحساس؛ فإحساس الإعجاب بيوسف حجب كل إحساس كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) } يوسف: 31.
نعم، إنه الوصف الدقيق لهذا الحسن؛ إنه ملك كريم.
وهنا جهرت امرأة العزيز بمكنون نفسها، وانفجرت عن بركان يَعْتَمِلُ في قلبها؛ فقالت: {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) } يوسف: 32.
عجيب شأن هذه المرأة، بذلت ليوسف ما بذلت من أجل وصاله؛ وها هي الآن تريد أن تحجبه عن ناظِرَيها وما ذلك إلا إشباعا لكبريائها في تحطيم هذا الفتى العفيف التي أرادته أن يكون لها أو أن يكون للسجن الضيق.
وزبدة القول أن اقتران الحب بتطلب الفاحشة أمر تشهد له نصوص القرآن الكريم؛ فمن زعم عفَّة حبه وسلامة قلبه من الشهوة فقد وَهِمَ، وهذا وإن سلمناه في أفراد حجبهم التقوى عن مُواقعة هذه الرذيلة؛ فهو مرفوض في حق أكثر الناس، وهو ما تعضده السنة النبوية الشريفة، حيث يتقرَّرُ هذا المفهوم العام بجلاء في حديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، وفيه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"وَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ"