منهج القرآن الكريم أنه لا يحرم شيئا إلا إذا غلبت مفسدته على مصلحته، والمُستبطن لنصوص الوحي يدرك من غير كبير نظر بعض اللوازم الفاسدة التي من أجلها أُوصِد الباب في وجه هذا الحب، ويمكن اختصارها في الآتي:
المطلب الأول: الشهوة المحظورة:
من أعظم معاطب المحبين على غير مَهْيَعِ الشرع الوقوع في الفاحشة أو مقدماتها؛ فالمحب مُؤثر لقرب حبيبه بل محب لكل ما يذكره وصاله، واعتبر هذا بقول الشاعر:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أشواق الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائرًا كان في صدري.
فمع أنه في موسم الحج في منى لم تَحُل روحانية الحج من إيثار قرب حبيبه وهو ما ظهر جليا حين هيَّجه ذكر اسم محبوبته إلى قصدها لو قدر.
إن الحب يستلزم طلب الزلفى من الحبيب، ولله در ابن الجوزي ما ألطف نظره وأشف فكره حين بيَّن الواسطة بين الحب والوطء ومقدماته؛ فقال بما لا تجد تحريره إلا عنده:".... ولقد تأملت المراد من الوطء فوجدت فيه معنى عجيبا يخفى على كثير من الناس وهو أن النفس إذا عشقت شخصا أحبت القرب منه فهي تؤثر الضم والمعانقة لأنهما غاية في القرب ثم تريد قربا يزيد على هذا فيقبل الخد ثم تطلب القرب من الروح فيقبل الفم؛ لأنه منفذ إلى الروح .... فإذا طلبت النفس زيادة في القرب إلى النفس استعملت الوطء؛ فهذا سره المعنوي و يحصل منه الالتذاذ الحسي". [1]
وشاهد هذا في القرآن ما حدث لامرأة العزيز حين عشقت يوسف - عليه السلام - وتمكن حبه من فؤادها؛ فطلبت الوصال على غير ما يرضي الله تعالى، وذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) } يوسف: 24.
فانظر كيف ساقها حبها إلى الارتكاس في حَمْأَة العزم على الرذيلة؛ فانسلَّ خبرها من مخدعها إلى قصر بعلها ثم فشا خبرها خارج أسوار القصر وتعدى جدرانه إلى بيوتات المدينة؛ فصارت فاكهة مجالس النسوة فيها، فلما سمعت بما حل بها أرادت طلب العذر لنفسها؛ فأعدت مأدبة عظيمة ودعت إليها نسوة من عِلْية القوم، كما يدل عليه التنكير المفيد للتفخيم في الآية؛ قال تعالى: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ
(1) ـ صيد الخاطر، ص 396.