الصفحة 24 من 35

لماذا أذيقوا العذاب المهين؟!، أليس سببه كبرهم وفسقهم؛ ألم يُحرَمُوا طيبات الآخرة؛ لأنهم استنفذوها في الدنيا بالاستمتاع المحرم الذي شغلهم عن العمل الصالح؛ فلقوا الله تعالى محرومين مخذولين؛ نادمين مُسْتَحْسِرِينَ، يسألون الرجوع إلى الدنيا، لا لقضاء ما فاتهم من شهوات ولا لعمارة ما تركوه من بنايات؛ ولكن يتمنون الرجعة من أجل العمل الصالح؛ قال الله تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) } فاطر: 37.

يتمنون الرجعة وقد شغلهم حبهم عن آخرتهم، ولم تُجْدِ فيهم قَوارِعُ القرآن التي أوضحت أن كل محبة لم تنتهي إلى الله {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) } النجم: 42، فمآلها عداوة، كما قال الله - جل جلاله: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) } الزخرف: 67.

بل إن كل مُدَّع للمحبة باختلاف أسبابها يتبرأ من محبوبه، قال الله - جل جلاله: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) } عبس: 33 - 37.

ولو خُيِّرَ أن يستعيضَ عن نفسه بحبيبه لقَبِلَ أن يكون فداءه من عذاب الله تعالى: {يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) } المعارج: 11 - 14، فكيف يطيب لعاقل أن يتعلق قلبه بمخلوق بعدها؟! أم كيف لذي لُبٍّ أن يستغرق قلبه حب الدنيا ولو خير بين العذاب وبين أن يفتدى بالدنيا وما عليها لقبل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) } المائدة: 36.

المطلب الرابع: الزواج:

تعامل القرآن بواقعية مع الحب؛ فجعل له إطاره الذي يحصل من خلاله ثمراته الدنيوية والأخروية؛ وعلى رأسها زيادة الصلة بالله تعالى؛ ولا غَرْوَ أن ذكرت المودة في آية متعلقة بالنكاح؛ وهو قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} الروم: 21.

فالحب في حقيقته انجذاب بين طرفين؛ فهو تقارب فطري؛ ودُنُوٌّ مصلحي؛ قضت به حكمة الواحد العَلي؛ سببها الرئيس ما بين الطرفين من تآلف في الخَلْق وتشابه في المقصد؛ وقد صوَّر ابن القيم هذا المعنى ببراعة؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت