الصفحة 25 من 35

فقال:".... قد استقرت حكمة الله - عز وجل - في خلقه وأمره على وقوع التناسب والتآلف بين الأشباه وانجذاب الشيء إلى موافقه ومجانسه بالطبع وهروبه من مخالفه ونفرته عنه بالطبع؛ فسر التمازج والاتصال في العالم العلوي والسفلي إنما هو التناسب والتشاكل والتوافق وسر التباين والانفصال إنما هو بعدم التشاكل والتناسب وعلى ذلك قام الخلق والأمر فالمثل إلى مثله مائل وإليه صائر والضد عن ضده هارب ومنه نافر وقد قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا (189) } الأعراف: 189؛ فجعل سبحانه علة سكون الرجل إلى امرأته كونها من جنسه وجوهره، فعلة السكون المذكور - وهو الحب - كونها منه فدل على أن العلة ليست بحسن الصورة ولا الموافقة في القصد والإرادة ولا في الخلق والهدي وإن كانت هذه أيضا من أسباب السكون والمحبة، وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ" [1] ". [2]

هذا التأصيل البديع مبني على نظر قرآني فاحص؛ فنَهْمَةُ المحب في محبوبه لا تتحصل على أتم صورها إلا بالارتباط الشرعي؛ الذي يثمر التقارب الجسدي؛ المعبر عنه بقوله: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} الأعراف: 189، قال ابن عاشور:"وفُرع عنه بفاء التعقيب ما يحدث عن بعض سكون الزوج إلى زوجه وهو الغشيان". [3]

وبه نحقق مقصد السكون المذكور في الآية؛ فاللام في قوله:"لتسكنوا"هي لام التعليل، وهي وإن جاءت في أبي البشرية آدم إلا أن الآية في الروم تدل على أن ذريته له تبع في ذلك. [4]

إذا تبين أن الزواج ترياق نافع للحب؛ فلا بد من تقييده بالحدود الشرعية؛ ذلك أنه إذا تعدَّى حدود الشرع انقلب محبة محظورة تهوي بصاحبها في الرذائل، فيكلف القلب بالمحبوب حتى يشغل عن طاعة الله؛ وقد ورد التحذير من هذا الصنف من الأزواج؛ فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) } التغابن: 14.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:".... وَأَمَّا مَحَبَّةُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَوْ سُرِّيَّتِهِ مَحَبَّةً تُخْرِجُهُ عَنْ الْعَدْلِ بِحَيْثُ يَفْعَلُ لِأَجْلِهَا مَا لَا يَحِلُّ وَيَتْرُكُ مَا يَجِبُ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ كَثِيرًا حَتَّى يَظْلِمَ ابْنَهُ مِنْ امْرَأَتِهِ الْعَتِيقَةِ؛ لِمَحَبَّتِهِ الْجَدِيدَةِ وَحَتَّى يَفْعَلَ مِنْ مَطَالِبِهَا الْمَذْمُومَةِ مَا يَضُرُّهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ مِثْلَ أَنْ يَخُصَّهَا بِمِيرَاثِ لَا تَسْتَحِقُّهُ أَوْ يُعْطِيَ أَهْلَهَا"

(1) ـ رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب الأرواح جنود مجندة، رقم: 3336 من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ومسلم في الصلة والبر والأدب، باب الأرواح جنود مجندة، رقم: 2638، عن أبي هريرة - رضي الله عنهم -.

(2) ـ زاد المعاد (4/ 247) .

(3) ـ التحرير والتنوير (9/ 211) .

(4) ـ انظر: أضواء البيان (2/ 46) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت