الصفحة 10 من 35

ألمعنا إليه، وكيف لا يفعل وقد أذن لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرواية عنهم؛ فقَالَ:"بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ"، [1] ولا عطر بعد عروس!.

إن المتعبد لله بصدق يحرص على طاعته فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر؛ لأنه يخشى أن يتحقق فيه الوعيد الشديد الوارد في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } التوبة: 24.

فالجامع بين المذكورات الثمانية في الآية هو تعلُّق القلب بها حبًّا حال دون البذل في سبيل الله تعالى، والذي يسترعِي انتباهنا منها هو ذكر الأزواج؛ ذلك أن تعلق القلب بالزوجة إذا جاوز الحد الشرعي أفضى إلى تقديمه على حب الله ورسوله والجهاد في سبيل الله وهو ذروة سنام الإسلام.

فإن تحقق هذا بالمكلف فقد خاب وخسر؛ فقد ورد الجزاء في الآية مرتبا على الشرط، وحصل الوعيد من ثلاث جهات؛ أولها: التهديد بمجيء أمر الله تعالى وهو عقوبته الدنيوية العاجلة.

والثاني: وهو الحرمان من الهداية المتكرر، وهو ما تفيده صيغة الفعل المضارع الذي يدل على التكرر والحدوث، فما داموا مقيمين على هذا الجرم؛ فإن عقوبة الخذلان لاحقة بهم، لا تنفك عنهم في ساعة من ليل أو نهار.

والثالث: الوصف بالفسق الذي لا يَتَزَيَّلُ عن صاحبه، وهو ما تفيده الجملة الاسمية ـ الصفة وموصوفها ـ الدالة على الثبوت.

ولا وجه للغرابة بعدها أن نجد القرآن يصف الأزواج بالعدو كما في قوله - عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) } التغابن: 14.

وقد سَأَلَ رَجُلٌ ابْن عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ؛ قَالَ:"هَؤُلاَءِ رِجَالٌ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَرَادُوا أَنْ يَأْتُوا النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم فَأَبَى أَزْوَاجُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ أَنْ يَدَعُوهُمْ أَنْ يَأْتُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأَوُا النَّاسَ قَدْ فَقِهُوا فِي الدِّينِ هَمُّوا أَنْ يُعَاقِبُوهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ (14) } التغابن: 14 الآيَةَ. [2] "

(1) ـ رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم: 3461، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنه - مرفوعا.

(2) ـ رواه الترمذي في التفسير، باب ومن سورة التغابن، رقم: 3317، وقَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت