الصفحة 11 من 35

فيظهر من الآية وسبب نزولها علَّةُ هذا التصنيف؛ وهي المحبة التي قادت أقواما إلى تضييع الواجبات، وهو ما حمل الإمام مجاهد بن جبر على القول في تأويل الآية:"يحملُ الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه، فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه". [1]

لهذا فالأمر جَلَلٌ، ولا يسلم منه إلا من عصمه الله تعالى؛ وقد جعل الله تعالى لنا عبرة برسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو أكمل الخلق خشية وأعظمهم لله محبة؛ فعاتبه الله - عز وجل - حين حملته المحبة لبعض أزواجه على تحريم ما هو حلال بالأصل على نفسه؛ وهو قوله - عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) } التحريم: 1 - 2.

والصحيح في سبب نزولها ما أخبرت به أم المؤمنين عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا قَالَتْ فَتَوَاطَأْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَلْتَقُلْ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ «بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ» . فَنَزَلَ (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) إِلَى قَوْلِهِ (إِنْ تَتُوبَا) لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) لِقَوْلِهِ «بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا» . [2]

فأنت ترى أن حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على إرضاء أزواجه أفضى إلى تأوُّله في تحريم شيء حلال على نفسه؛ ودافعه التزَلُّفُ إلى أزواجه وخاصة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ فحبه لها مستفيض مشهور يشهد له ما صح عَنْ عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أنه قَالَ لرسول - صلى الله عليه وسلم: أيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟!، قَالَ: «عَائِشَةُ» . قلت: مِنَ الرِّجَالِ قَالَ: «أَبُوهَا» . [3]

ولذا عتب الله تعالى عليه في الآية ومنعه من التحريم، وما أحسن ما استنبطه الإمام الشنقيطي من الآية في رده على من أنكر مشروعية عمرة التنعيم؛ فقال:"... وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) } التحريم: 1، ظَاهِرٌ فِيهِ مَعْنَى الْعِتَابِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) } عبس: 1 - 3، وَكِلَاهُمَا لَهُ عَلَاقَةٌ بِالْجَانِبِ الشَّخْصِيِّ سَوَاءٌ"

(1) ـ تفسير ابن كثير (4/ 482) .

(2) ـ رواه البخاري في الطلاق، باب لم تحرم ما أحل الله لك، رقم: 5227، ومسلم في الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته، رقم: 1474.

(3) ـ رواه البخاري في المغازي، باب غزوة ذات السلاسل، رقم: 4358، ومسلم في الفضائل، باب من فضائل أبي بكر، رقم: 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت