وعليه فطريق العلاج هو استحضار عيوب المحبوب والتفكر في نقائصه، ويستشف هذا الترياق النافع من صفات نساء الجنة في القرآن؛ فما ذكر الله تعالى وصفهن إلا لبيان وجه فضلهن على نساء الدنيا؛ فإننا نقرأ أنهن مطهرات من البول والغائط والحيض والنفاس؛ كما في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) } آل عمران: 14 - 15، وقال أيضا: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) } البقرة: 25، ونجد في القرآن أنهن أبكار عفيفات في الأبصار والأبضاع؛ أما الأول فيستفاد من قوله تعالى: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) } الصافات: 48، وقوله: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52) } ص: 52.
وأما الثاني فقوله - عز وجل: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) } الواقعة: 35 - 37، وقوله أيضا: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) } الرحمن: 56.
وإذا كان هذا حال حور العين فما بالك بالمؤمنة المكلفة؟!، فلك أن تتصور ما تُعطاه من جمال وبهاء وسناء، ويكفينا فيه عموم قول الله - عز وجل: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) } الزخرف: 71.
إذن، هذه الصفات التي ذكرت: (قاصرات الطرف؛ مقصورات في الخيام؛ مطهرات، عربٌ أترابٌ، أبكارٌ) تجعل المؤمن اليَقِظَ يتسامى عن الحب الممنوع الذي يشغله عن منزله الأول في الجنة.
وبالجملة، فلا فكاك لعاشق الصور من أَسْرِهِ إلا بالتنقيب في عيوب محبوبه، وما أكثرها لو سلم له قلبه، يقول ابن الجوزي:"... لا يتمكن العشق إلا مع واقف جامد؛ فأما أرباب صعود الهمم فإنها كلما تخايلت ما توجبه المحبة فلاحت عيوبه لها إما بالفكر فيه أو بالمخالطة له تسلت أنفسهم وتعلقت بمطلوب آخر فلا يقف على درجة العشق الموجب للتمسك بتلك الصورة العامي عن عيوبها إلا جامدا واقفا."
وأما أرباب الأنفة من النقائص فإنهم أبدا في الترقي لا يصدهم صاد فإذا علقت الطباع محبة شخص لم يبلغوا مرتبة العشق المستأثر بل ربما مالوا ميلا شديدا إما في البداية لقلة التفكر أو لقلة المخالطة و الاطلاع على