وآكد من ولا تزنوا؛ لأنه بمعنى ولا تدنوا من الزنا، وأفاد هذا تحريم الزنا، وتحريم الدنو منه، لا بالقلب ولا بالجوارح، فقد جاء في الصحيح: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَى مُدْرِكٌ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلاَمُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ» ؛ [1] فزنا هذه الجوارح دنو من الزنا الحقيقي، ومؤد إليه". [2] "
وعلى وِزَانِ ما سبق ندرك وجه الفرق بين قوله: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} البقرة: 187 حيث عبَّر بالقرب، وبين قوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) } البقرة: 229 حيث عبر بالتعدي؛ ونكتة الفرق بينهما أنه في باب المحظورات نهى عن القرب، وفي باب المأمورات؛ نهى عن التعدي.
من أجل هذا أمرنا بغض البصر ونهينا عن إطلاقه في قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} النور: 30، ورغم أن مَهيَعَ القرآن في الغالب إلحاق النساء ضمن خطاب الرجال تغليبا؛ إلا أنه خصهن بالخطاب في هذا التشريع؛ فقال: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} النور: 31 وما ذلك إلا لعظيم خطر هذا المنفذ على الدين.
كما نهيت المرأة عن الخضوع في القول في قوله - عز وجل: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) } الأحزاب: 32.
وهذا من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، فإذا توجه النهي لأمهات المؤمنين فما بالك بغيرهن؟!، والتعليل ظاهر وهو تسرُّب الفتنة إلى ذي القلب المريض؛ وإذا كان هذا الشأن مع تجرُّده عن العشق؛ فكيف إذا أضيف إليه عشق الصورة؟!؛ وما أسلفناه من نصوص محكمة يدل دلالة صريحة على أن علاج المحب في البعد عن محبوبه لا القرب منه، فمن طلب قرب حبيبه مع امتناعه شرعا وقدرا فإنما يطلب الموت بما يرى فيه الحياة!.
وهو ما قرره ابن تيمية فقال:"وَأَمَّا مَرَضُ الشَّهْوَةِ وَالْعِشْقِ فَهُوَ حُبّ النَّفْسِ لِمَا يَضُرُّهَا وَقَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ بُغْضُهَا لِمَا يَنْفَعُهَا .... وَالْمَقْصُودُ هُنَا"مَرَضُ الْقَلْبِ"فَإِنَّهُ أَصْلُ مَحَبَّةِ النَّفْسِ لِمَا يَضُرُّهَا كَالْمَرِيضِ الْبَدَنِ الَّذِي يَشْتَهِي مَا يَضُرُّهُ وَإِذَا لَمْ يُطْعَمْ ذَلِكَ تَأَلَّمَ وَإِنْ أُطْعِمَ ذَلِكَ قَوِيَ بِهِ الْمَرَضُ وَزَادَ. كَذَلِكَ الْعَاشِقُ يَضُرُّهُ اتِّصَالُهُ"
(1) ـ رواه مسلم في القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره، رقم: 2657 عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا.
(2) ـ مجالس التذكير (1/ 244) .