الصفحة 12 من 60

ولمالك مشكلة خاصة في انصراف بعض الشباب المسلم عن قراءة إنتاجه الفكري، وهي إحدى الأسباب وليست السبب الوحيد على كل حال؛ فقد كتب سيد قطب رحمه الله:

(لقد كنت أعلنت مرة عن كتاب لي تحت الطبع بعنوان «نحو مجتمع إسلامي متحضر» ثم عدت في الإعلان التالي عنه فحذفت كلمة «متحضر» ، ولفت هذا التعديل نظر كاتب جزائري(يكتب بالفرنسية) ففسره على أنه ناشئ عن(عملية

دفاع نفسيه داخلية عن الإسلام)وأسف لأن هذه العملية - غير الواعية - تحرمني مواجهة المشكلة على حقيقتها.

أنا أعذر هذا الكاتب ... لقد كنت مثله من قبل ... كانت المشكلة عندي -كما

عنده اليوم- هي مشكلة (تعريف الحضارة) .. ثم انجلت الصورة (المجتمع المسلم) هو (المجتمع المتحضر) [1]

وفهم الشباب المسلم أن هذا الكاتب الجزائري واقع تحت ضغط آتٍ من مصادر أجنبية، فكان ذلك سببًا لابتعادهم عن قراءة فكر مالك، ولكن القضية هي قضية مصطلحات؛ فمالك يتكلم عن المجتمع الإسلامي الموجود وأنه يحتاج إلى رفعه إلى مستوى الحضارة حتى يستأنف دوره - وطبعا لا يعني هنا الحضارة الغربية وإنما الحضارة بتعريفه هو - وسيد يتكلم عن المجتمع الإسلامي المنشود وأنه إذا وُجد فثَم الحضارة، والإسلام هو الوحيد الذي ينتج حضارة متكاملة، ولاشك أن سيدًا - رحمه الله - أنقى وأوضح تصورًا وفكرًا، وهو ينظر إلى الحضارة الغربية من علٍ؛ لأنه المسلم المتميز بعقيدته وتصوراته، ولكن مالكًا هنا يبحث في التفاصيل والجزئيات، وكيف يركبها لينتقل بالمسلم من حالة التخلف والركود إلى حالة (الإقلاع) للدخول في دورة الحضارة مرة ثانية، وسيد يرى استيراد النظريات العلمية (مجردة) ومالك يقول: هذه الأشياء المستوردة هي نتاج حضارة وثقافة، هذه الأشياء صنعها علم النفس وعلم الاجتماع أيضًا، ولذلك سواء استوردناها أو صنعناها لابد أن تكون هناك ثقافة تحيط بها حتى تضعها في مكانها المناسب، وحتى لا تتحول إلى (تكديس) وهذه الثقافة هي الثقافة الإسلامية.

إن ظاهرة انصراف بعض الناس عن فكر معين - بسبب كلمة تقال من عالم مشهور - ليست جديدة ولا غريبة، فعندما ترجم أحد العلماء للمؤرخ ابن خلدون؛ تكلم فيه وانتقد عليه

(1) سيد قطب: معالم في الطريق، 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت