وفهم الكتاب والسنة هو الذي جعل الإمام مالك والأوزاعي وأمثالهما يكرهون الجدل والخصومات في الدين ويركزون على العمل، وقد وضح هذا المنهج بشكل نظري في كتابات ابن تيمية وخاصة كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل) وكان بالإمكان بناء نهضة علمية عملية لو أخذ المسلمون بهذا المنهج، ولكنهم مع الأسف غرقوا في الجدل وعلم الكلام فأبعدوا عن مجالات القيادة.
والجدل أسهل من البحث والاستقراء والخروج بنتائج في شتى مجالات العلوم.
وإذا كان للمنهج هذه الأهمية (فإن نجاحه مرتبط بتناول المشكلة من جانبيها معًا(الاستعمار والقابلية للاستعمار) ، فإذا نظرنا إلى جانب دون الآخر فقد غامرنا برؤية مشكلة مزيفة) [2] .
لذلك وقبل أن ننتقل إلى موضوع (إقلاع) العالم الإسلامي باتجاه بناء حضارة لابد أن نعرض وجهة نظر مالك بن نبي في الاستعمار الذي هو الجانب الخارجي من المشكلة، أو الجانب السلبي لنكون على وعي تام بما يدبر لإعاقة النهضة الإسلامية.
إن عرض مشكلة الاستعمار يبدو أكثر أهمية إذا علمنا أنه ركز هجومه على العالم الإسلامي، بينما كان أقل شراسة ولؤمًا مع الشعوب الأخرى، وحاول إجهاض أي عمل إسلامي مثمر، واستخدم أخبث الوسائل ومنها الوسائل الفكرية.
ومالك بن نبي وإن كان ممن لا يعلقون أخطاء وتقصير المسلمين على شجب (الاستعمار) وحده بل يهتم بالعوامل الداخلية، ويرى أنها الأساس في البحث والتحليل، إلا أنه خبير بخفايا هذا الاستعمار ومواقفه من قضايا المسلمين، لذلك جاءت ملاحظاته وتعليقاته على هذا الجانب
(1) إنتاج المستشرقين / 33.
(2) وجهة العالم الإسلامي /86.