الصفحة 33 من 60

بإقامة مدرسة هنا ومصنع هناك وسدٍّ هنالك، أو بوضع سلة معدنية في جانب هذا الشارع حيث لا أحد يفكر في إلقاء المهملات) [1] .

ولو أننا تعودنا الربط والتعميم وتتبع الجزئيات من الكليات لما استغربنا تشابه المشكلات الخارجية التي يواجهها العالم الإسلامي، فالعالم الذي نواجهه (الاستعمار) لا تأتى فيه الأشياء عفوًا وإنما كنتائج لخطط محكمة، فعندما تفشل بعثة علمية في بلاد الغرب أو أحد أفراد هذه البعثة نفاجأ: كيف حصل هذا؟ [2] .

ولو تتبعنا بعض الظواهر المحيرة في العالم الإسلامي لوجدنا أن المحرك لها واحد، ولكن عقلية تجزئ الأشياء تجعلنا لا نشعر بالقاسم المشترك فيما بينها.

إن هذا النزوع نحو تجزئة مشكلة الحياة إلى ذرة ذرة، وهذا العجز عن التعميم ليس من خواص الفكر المسلم كما يحاول أن يؤكده المستشرق الإنكليزي «جب» (بل هو طراز للعقل الإنساني بعامة عندما يقصر عن بلوغ درجة معينة من النضج، وإن التراث الثقافي الخطير الذي خلفته الحضارة الإسلامية يظل شاهدا على ما كان يتصف به الفكر الإسلامي في عصوره الذهبية بالإحساس «بالقانون» وهو يستلزم القدرة على التركيب، وأصول الفقه الإسلامي أكبر دليل على ذلك) [3] .

عانت مجتمعاتنا في عصور الضعف مشكلة (الأمية) والجهل ولكنها عندما حاولت النهوض أصيبت بمرض مستعص وهو (التعالم) أو الحرفية في التعلم وحمل اللافتات العلمية (وإذا كنا ندرك بسهولة كيف نداوي المريض الأول، فإن مداواتنا للمريض الثاني لا سبيل إليها لأن عقل هذا المريض لم يقتن العلم ليصيّره ضميرا فعّالًا، بل ليجعله آلة للعيش، وسلمًا يصعد به إلى «الوظيفة» ، وهكذا يصبح العلم عملة زائفة غير قابلة للصرف، وإن هذا النوع من الجهل لأدهى وأمر من الجهل المطلق، فالجاهل هنا لا يقوّم الأشياء بمعانيها، ولا يفهم الكلمات

(1) المصدر السابق /80.

(2) الصراع الفكري /34.

(3) وجهة العالم الإسلامي /15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت