والبوصلة التي ساعدت كولومبس على اكتشاف أمريكا هي من اختراع المسلمين!، وقد كان من حكم الطب القديم أن الحرارة مثلًا دواؤها الرطوبة ولا بأس بهذه الحكمة ما لم تكن قيدًا يقيد الفكر فلو استسلم الطب لحكمة كهذه مع صلاحيتها في بعض الظروف لما وجد (باستور) طريقًا لاكتشاف العلاج النافع لداء (الكلب) مثلًا [1] .
ولا شك أن هناك كثيرًا من الأفكار خذلت أصحابها لأنها لا تحمل أصولًا صحيحة، فكم أهدر من الوقت في جدل ومناقشات، وكم سودت من صفحات مبنية على أحاديث موضوعة أو ضعيفة، وكم عاش المسلمون متأثرين بأفكار الصوفية التي تدعو إلى البطالة والزهد غير المشروع حيث كان مثلهم الأعلى (المجاذيب) .
يميل الفرد بطبيعته إلى نيل حقه، وقد ينفر من القيام بواجبه، والأمة التي تصاب بمرض (السهولة) وعاشت قرونًا من التخلف، فإن من أهون الأشياء عليها التي لا تكلفها كثيرًا هو المطالبة بالحقوق، ونسيان الواجبات، فهي تشبه الكائن (الأميبى) المتبطل، حتى إذا رأى فريسة هينة أبرز إليها ما يشبه اليد ليقنصها، ثم يهضمها في هدوء وبقى هذا ا الكائن يأكل من حاجاته المتواضعة حتى إذا جاء الاستعمار لم يدع له شيئًا فتحرك ضميره (أي معدته) فمد يده إلى فريسة وهمية أطلق عليها لفظة (الحق) [2] .
وكان هذا منشأ سياسة الدجل التي مارسها من يتقن هذه الأدوار، وللمطالبة بالحقوق إغراء شديد فهي كالسم لا يجذب الذباب ويجتذب الانتفاعيين، بينما كلمة الواجب لا تجتذب غير (النافعين) [3] ، وعندما يستغلها الزعماء المهرجون لتجميع الغوغاء من الشعب ويلعبون بمفتاح (الحقوق) فسيكون من الصعب أن يستخدموا مفتاح الواجبات وتتحول الأمة إلى استجداء حقوقها من الأمم المتحدة ومجلس الأمن والرأي العام العالمي ولكن ما من مجيب، لأن هذه الأصنام ما نصبت إلا لتخدير الشعوب وتعليمها لغة الاستجداء.
(1) المصدر السابق /191.
(2) وجهة العالم الإسلامي /131.
(3) بين الرشاد والتيه /129.