ويجب أن نعلم أيضًا أنه رغم كل هذه العوائق، استطاع المسلم التفلت من الأنشوطة التي أراد الاستعمار عقدها حول عنقه، فما زالت فطرته وإسلامه يعطيانه القوة والدافع لتلمس الطريق الصحيح.
ما هي نقطة البدء؟
الإيمان العميق بالمبدأ الذي يعتنقه المسلم هو نقطة البدء، هذا الإيمان الذي يعطيه قوة فوق قوته، واحتمالًا فوق احتماله، فيتغلب على المصاعب التي تعترضه، ويتحول هذا الإيمان إلى عاطفة قوية جارفة (فالروح وحدها هي التي تتيح للإنسانية أن تنهض وتتقدم، فحيثما فقدت الروح سقطت الحضارة وانحطت لأن من يفقد القدرة على الصعود لا يملك إلا أن يهوي بتأثير الجاذبية الأرضية) [1] (فأينما توقف إشعاع الروح يخمد إشعاع العقل، ويفقد الإنسان تعطشه إلى الفهم وإرادته للعمل عندما يفقد الهمة وقوة الإيمان، فالإيمان هو المنبع الوحيد للطاقة الإنسانية [2] والمسلم الذي يصل إلى درجة(التوتر الروحي) يشعر بالسعادة الغامرة عندما يبني أول مسجد في المدينة ويحمل (لَبنِتَيْن) بدلًا عن واحدة) وفي هذه الحالة الروحية صبر بلال -رضي الله عنه- ولم تستطع قوة في الأرض أن تخفض إصبعه وهو يقول: (أحد، أحد) [3] .
هذا الإيمان يصنع المعجزات، عندما تختفي الأنانيات ويشترك الجميع عن طواعية في بناء حضارة، وفي المجتمع الإسلامي الأول كان المنافقون وحدهم يتخلفون عن أي عمل فيه تعب أو نصب، وكل الكتب والمحاضرات والخطب لا تكفي لإنشاء أمة لا ترتفع إيمانيًا وأخلاقيًا إلى
(1) المصدر نفسه / 26.
(2) المصدر السابق/27، وقد يستغرب القارئ ويقول: كيف نجمع بين كلامك في نهاية المقال السابق عن أن توحيد الإلهية لم يكن واضحًا تمامًا عند مالك وبين كلامه عن الإيمان وأثره ومهاجمته لعلم الكلام، وقد نبهني أحد الأصدقاء إلى أن ظاهر كلامه لا يدل على هذا، مع قناعته بوجهة نظري، فذكرت له أنني استنتجت هذا الكلام من مجموع قراءاتي لكتبه، كما أنه في النية كتابة مقال مستقل عن بعض أخطائه ومنها هذا الموضوع، وسأوضح الدليل على ذلك إن شاء الله، وقد يزول الإشكال إذا عرفنا أنه يتكلم هنا عن بناء الحضارات بشكل عام، فالمسلم عنده طاقة روحية وغير المسلم عنده هذه الطاقة في بدء دورة الحضارة كما يذكر في أكثر كتبه.
(3) ميلاد مجتمع / 21.