الصفحة 51 من 60

وعندما حاول العالم الإسلامي النهوض تعثرت خطواته كثيرًا، وفشلت التجارب التي لم تأت عن دراسة لواقع المسلمين الثقافي، بل أخذت من الشرق أو الغرب كأنها «وصفات» جاهزة لتطبيقها في أرض غير أرضها، قامت صناعات قبل أن توفر الغذاء للعامل في المصنع، واستقدموا الخبير الألماني «شاخت» ليطبق نظرياته في أندونيسيا، ولكنه فشل لأن تجربته كانت مع الشعب الألماني وليس مع الشعب الأندونيسي.

ومن الناحية النظرية، وعندما يكتب المسلمون عن الاقتصاد يبدو تأثير النظريات الغربية، فهم يحاولون دائمًا إثبات أنه يمكن أن تقوم بنوك دون ربا، واستثمار دون ربا فكأن قضية المال هي الأساس الأقوى في الاقتصاد، ولا يعرجون كثيرًا على موضوع الإنسان الاجتماعي (فالمعنى الاقتصادي لم يظفر في ضمير العالم الإسلامي بنفس النمو الذي ظفر به في الغرب) [1] أو لا يعرجون على العمل وأهميته (فالعمل وحده هو الذي يخط مصير الأشياء في الإطار الاجتماعي) [2] (وعندما كان المسلمون الأول يشيدون مسجدهم الأول بالمدينة، كان هذا أول ساحة للعمل صنعت فيها الحضارة الإسلامية) [3]

وفي مجتمع ناشئ (فإن كلمة أجر تفقد معناها، لأن العامل لا علاقة له بصاحب عمل ولكن بجماعة يشاطرها بؤسها ونعماها، فإعطاء ثلاثة حروف من الأبجدية عمل، وإزالة الأذى عن الطريق عمل، وغرس شجرة عمل، واستغلال أوقات فراغنا في مساعدة الآخرين عمل ... وهكذا) [4]

يفرق مالك بن نبي بين مصطلحي الثروة ورأس المال، فالأول يستخدمه الفرد في ميدانه الخاص مثل عقاره أو قطيعه أو ورشته (فالثروة لا تسعى لغايتها كقوة مالية مستقلة، بينما رأس المال ينفصل عن صاحبه ويتسع مجاله ليخلق حركة ونشاطًا، ويوظف الأيدي أينما حل وحيثما

(1) المصدر السابق / 16.

(2) شروط النهضة / 162.

(3) المصدر السابق / 162.

(4) شروط النهضة / 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت