بعد ذهابهم أضعف اقتصادًا مما كانت عليه يوم جاءوا، ولكن مالك الذي عاش في الغرب يفرح بأي خطوة يخطوها أهل المشرق مما يظن أنه من الإصلاح.
لم يعش مالك حتى يرى انهيار المجتمعات الاشتراكية، سواء في الشرق أو في البلاد العربية، وانهيار الاقتصاد المزيف، وطبعًا لا تغني الوصفات من الرأسمالية فالأمل هو في المجتمعات الإسلامية التي (تعيد إلى عالم الاقتصاد أخلاقياته، ويتلافى بذلك الانحرافات الإباحية التي تورطت فيها الرأسمالية، كما ينجو من ورطة الماركسية المادية التي سلبت الإنسان ما يميزه عن الآلات والأشياء) [1] .
بعد الحلقة الأخيرة في قراءة فكر مالك بن نبي كانت النية متجهة للكتابة عن بعض أخطائه ضمن الكتابة عن المدرسة التي تأثرت به، وفي مكان آخر غير صفحات هذه المجلة، ولكن بعض القراء أشاروا وطلبوا أن تكون الكتابة عن مالك في المجلة حتى تتضح الصورة، وتظهر الإيجابيات والسلبيات كي تقع الفائدة المرجوة وتتجنب الأخطاء، واستجابة لهذا سأكتب عن الأخطاء ضمن المنهج الصحيح في الجرح والتعديل؛ وهو أنه إذا غلب على الرجل الخير فالأولى تقديم إيجابياته والتغاضي عن سلبياته أو ذكرها مجملة ما أمكن ذلك، وما أردت في المقالات السابقة إلا عرض خلاصة أفكاره عن أمراض العالم الإسلامي وشروط النهضة، وهي أفكار تستحق الدراسة والتأمل، ونتمنى أن يستفيد منه المسلمون في كل مكان.
فقد أصاب فيها المحز، ووضع الإصبع على الجرح، ورغم مرور سنين على طرحها، لكن مشكلة المسلمين لا زالت كما حللها وكتب عنها.
إن الأخطاء التي سنتكلم عنها ليست أخطاء عادية مما يقع لكل كاتب، فكان لابد من ذكرها والتنبيه عليها.
كان مالك بن نبي عميقًا في فهم غور الاستعمار وأساليبه الخفية للتسلط على العالم الإسلامي، وعميقًا في معالجة (القابلية للاستعمار) عند المسلمين، ولكنه في عالم الواقع والسياسة فيه سذاجة أو طفولة سياسية، وهذا ليس غريبًا فقديمًا تعجب الإمام ابن الجوزي من
(1) المسلم في عالم الاقتصاد / 85.