عرَّف ابن خلدون الصناعة بأنها: ملكة في أمر عملي فكري [1] وهذا تعريف دقيق لما يسمى الآن (التقنية) فهي تحتاج إلى العلم والممارسة اليدوية حتى ترسخ مع الزمن وتصبح (ملكة) كما عبر عنها ابن خلدون، وهذه الصناعة لا تكون إلا في مجتمع متحضر، لأن المجتمع البدائي يحتاج إلى أمور بسيطة لا تحتاج لتقنية، فوجودها يدل على درجة التحضر والعلم، فلابد أن يكون في المسلمين فئة تتقن هذه (الصناعة) وتبدع فيها مما يناسب الإسلام والحضارة الإسلامية، وتبتعد عن شرور سيطرة (الآلة) على الإنسان، وهذا يحتاج لمجلس للتوجيه الفني ليحل نظريًا وعمليًا المشكلة الخطيرة للتربية المهنية تبعًا لحاجات البلاد [2] .
وإن الإمكانيات في البلاد الإسلامية لتسمح بتكوين القيادات التي تشرف على طريقة تنفيذ هذه (التقنية) وأن تخضع لثقافة المسلم وذوقه المتميز.
هذه العناصر التي يرى الأستاذ مالك بن نبي أنها من مكونات الثقافة وأنها تحتاج لتوجيه معين لاشك أنها تصلح لكل مجموعة بشرية أو لكل أمة تبحث عن ثقافتها الخاصة، وكأن مالك استلهم هذا التحديد من علماء الاجتماع والحضارات في أوربا، وكان الأولى أن يذكر زيادة على هذا العناصر الخاصة بالثقافة الإسلامية، إن عنصر الأخلاق مثلًا أو الذوق الجمالي يتبعان عقيدة المسلم وتصوراته الخاصة، فهل يقال للمسلم يجب أن يكون عندك ذوق في الموسيقى أو النظر إلى فن التصوير؟! لاشك أن للمسلم خصوصياته في هذا المجال.
لم يعد الاقتصاد في العصر الحديث من الأمور الثانوية، وما كان كذلك في القديم، ولكن العصر الحديث زاده أهمية وزادت مشاكله حدة بسبب التقارب الجغرافي، وظهور مذاهب الرأسمالية والاشتراكية التي جعلته من المحاور الرئيسية في حياتها، وبسبب جشع الغرب ومحاولته إبقاء دول العالم الثالث مستهلكة لإنتاجه (فأوربا التي تكتلت في القرن الحادي عشر من أجل الزحف الصليبي وتكتلت في القرن التاسع عشر في الميثاق الاستعماري، تعود اليوم إلى تكتل جديد في صورة «السوق المشتركة» في الظاهر من أجل الصمود في وجه الاقتصاد الأمريكي والياباني وفي الواقع من أجل الزحف الاقتصادي على مناطق الحضور الأوربي سابقًا «العالم
(1) مقدمة ابن خلدون 2/ 935.
(2) شروط النهضة/149.