الصفحة 13 من 60

بعض التصرفات الشخصية عنده، فكان ذلك من أسباب إعراض الناس عن (المقدمة) التي تعتبر أعظم ما أنتجه المسلمون في علم الاجتماع وفن النقد التاريخي، ولمالك إيجابيات كثيرة سنتكلم عنها إن شاء الله، وله أخطاء، ولابد من عرض كليهما حتى يتبين وجه الصواب لمن أراده، وهو واضح جلي والحمد لله.

وُلد مالك بن نبي في مدينة قسنطينة في الجزائر عام (1905 م) ، ونشأ في أسرة فقيرة؛ لأن جده لأبيه هاجر إلى طرابُلس الغرب احتجاجًا على الاستعمار الفرنسي وحمل معه كل أملاك العائلة، هذا الميلاد جعله يتصل بالماضي عن طريق من بقي حيًا من شهوده. [1]

انتقل والده إلى (تبسة) فعاش فيها طفولته وكانت هذه المدينة الصغيرة بعيدة نوعًا ما عن (الحضور الفرنسي) وذلك لاحتكاكها بالقبائل المجاورة؛ فحفظها الطابع البدوي عن الاختلاط مع الفرنسيين، وفي (تبسة) كان يدرس في الصباح العربية والقرآن ثم يذهب في الساعة الثامنة إلى المدرسة الحكومية الفرنسية، وفي المرحلة التكميلية كان يتابع دروس العربية والدين، وكانت المدرسة الفرنسية تشجعه على المطالعة عن طريق إعارة الكتب.

تعرَّف على تلاميذ ابن باديس من الشباب، وشعر أنه - وإياهم - على خط فكري واحد، وكان يقرأ (الشهاب) و (المنتقد) قبلها ولكنه لم يتصل بالشيخ ابن باديس ولا تتلمذ عليه، وفي (تبسة) حيث تعيش أسرته لم يتتلمذ أو يؤيد تأييدًا قويًا الشيخ العربي التبسي، وكأن هناك حاجزًا نفسيًا بينه وبين المشايخ، ويعترف بعد ربع قرن:(حينما تفحصت شعوري حول هذا الموضوع تبين لي أن السبب يكمن في مجموعة من الأحكام الاجتماعية المسبقة، وفي تنشئة غير كافية في الروح

الإسلامي) [2] .

ويتابع الحديث عن الأسباب الاجتماعية: (فأحكامي المسبقة ربما أورثتنيها طفولتي في عائلة فقيرة في قسنطينة، زرعت لاشعوريًا في نفسي نوعًا من الغيرة والحسد حيال العائلات الكبيرة التي كان الشيخ العربي ينتمي إلى واحدة منها) [3] .وكنت أعتقد أنني أقرب إلى الإسلام

(1) مالك بن نبي: مذكرات شاهد للقرن، 15.

(2) مالك بن نبي: مذكرات شاهد للقرن، 131.

(3) المصدر السابق 131

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت