الصفحة 14 من 60

بالبقاء قريبًا من البدوي أكثر من البلدي الرجل الذي يحيط به وسط متحضر، وكان الشيخ العقبي يبدو في ناظري

بدويًا، بينما يبدو الشيخ ابن باديس بلديًا،

فقد تبين لنا أسباب جفائه لزعماء جمعية العلماء وهو شاب، أما عندما نضج فكريًا فسيكون له موقف مبني على أسس عنده سنتكلم عنها إن شاء الله.

بعد الانتهاء من الثانوية عمل متطوعًا في محكمة (تبسة) وهناك تعرف - من خلال تجوال أعضاء المحكمة في الريف - على رجل الفطرة الذي يستضيف أعضاء المحكمة رغم أنهم حكموا عليه بالضرائب والغرامات، ثم عمل موظفًا في

محكمة (أفلو) التي تقع جنوب وهران في غرب الجزائر، وهناك أيضًا تعرف على الكرم العربي والفطرة الصادقة: (فالناس في المدن لا يستطيعون فهم هذه العقلية أو ذاك النبل في عروق البدوي) . [1]

وتعرف على فضائل الشعب الجزائري قبل أن يفسده الاستعمار، ثم انتقل للعمل في محكمة (شاتودان) ولم يطق معاملة موظفيها؛ فاستقال وتوجه إلى فرنسا وذلك عام (1930 م) في محاولة للانتساب إلى معهد الدراسات الشرقية، ولكن طلبه رُفض؛ لأن الدخول لهذا المعهد - كما يقول هو -لا يخضع لمقياس علمي وإنما لمقياس سياسي. انتسب إلى مدرسة اللاسلكي ودرس الكهرباء والميكانيكا، وهذه الدراسة أعطته بُعدًا آخر يقول عنها: (فتح لي عالم جديد يخضع فيه كل شيء إلى المقياس الدقيق للكم والكيف، ويتسم فيه الفرد-أول ما يتسم-بمَيزات الضبط والملاحظة) .

ولكن دخوله مع العمل الطلابي المغربى وتعرفه على صديقه (حمودة بن الساعي) بدأ يغير من اتجاهه العلمي إلى التعمق في الدراسات الاجتماعية.

تخرج مهندسًا كهربائيًا عام (1935 م) وبدأ رحلة شاقة في البحث عن عمل في البلاد العربية وغيرها، وكانت الأبواب توصد في وجهه دائمًا وسبب ذلك في رأيه هو أنه أراد تمزيق شبكة الاستعمار ولم يدرِ أن سمك القرلق (الاستعمار) كان له بالمرصاد.

زار الجزائر في هذه الفترة، ولاحظ وقوع الناس في حُمى الانتخابات والدجل السياسي بعد المؤتمر الجزائري.

(1) المصدر السابق 174

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت