الصفحة 39 من 60

يروي مالك بن نبي تجربة من تجاربه فيقول: «انعقد في باريس مؤتمر العمال الجزائريين بأوربا، وبهذه المناسبة تقرر من لدن المشرفين على المؤتمر توزيع كتيب لصاحب هذا العرض تناول فيه مشكلة من مشاكلنا اليوم، ولكن أصحاب الاختصاص في الصراع الفكري لم يفتهم أن يسدوا الطريق على الأفكار المعروضة، ولذا وجهت الدعوة إلى السيدة الألمانية التي كتبت «شمس الله تشرق على الغرب» وفيه مدح وتمجيد للحضارة الإسلامية، وتقدمت السيدة وقدمت كتابها للمؤتمر، فانتقل على الفور بروحه من مجال المشكلات إلى أبهة وأمجاد الماضي الخلاب» [1] .

ومن وسائله الماكرة، التي لا يزال يتقن استعمالها رميه للمسلم بشتى الاتهامات، بل يحاول الإيحاء بأن المسلم منبوذ القرن العشرين، وفي هذه الحالة يصبح سلوك المسلم ردود أفعال، وترفع عنده توتر طاقات الدفاع حتى يكون في حالة توتر شاذة، ويعيش إما مُتهِمًا أو مُتَهمًا، وفي هذه الظروف فإن مختبرات الاستعمار تصرف كل إمكانيات المسلم إلى معارك وهمية، يُسمع فيها قعقعة السلاح ودوي الحرب ولكنها معارك مع أشباح، والمسلم يظن أنه انتصر ويرتاح نفسيًا، والتاريخ الإسلامي الحديث لا يخلو من هذه المعارك الوهمية كتلك التي خاضها الأفغاني ومحمد عبده ضد أرنست رينان وجبرايل هنوتو، والمشكلة ليست في الدفاع عن الإسلام ولكن في تعليم المسلمين كيفية الدفاع عن أنفسهم [2] .

لقد تدخل الاستعمار في كل شيء حتى لا يترك فرصة لأي بعث إسلامي، فكانت الإدارة الفرنسية في الجزائر هي التي تعين المفتي والإمام لا طبقًا لمشيئة جماعة المسلمين بل تبعًا لهوى المستعمرين، وبذلك تجمع في يدها أنفذ وسائل الإفساد، فاختيار رجل يؤم الناس في المسجد لا يكون بناء على تميزه بضمير حي أو علم بأصول العقيدة، بل يراعى في ذلك ما يقدمه للإدارة من خدمات، حتى كأنه (جاويش) صلاة، ولا شك أن هذا التحكم في شعائر الدين مما يقض مضاجع أصحاب العقائد من المؤمنين لما يرون من أحداث غاية في الفساد: إمام

(1) مشكلة الأفكار / 140

(2) إنتاج المستشرقين / 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت