الصفحة 44 من 60

وسلم- عندما قال: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» . فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل» [1] .

كيف نعيد الفاعلية للمسلم؟ كيف نؤلف بين العوالم الثلاثة (الأشخاص والأفكار والأشياء) بانسجام وتوازن؟ كيف نعالج أكبر مرض يصيب العلاقات الاجتماعية ألا وهو مرض حب الذات أو تضخم (الأنا) عند الفرد؟.

لا تعود الفاعلية للمسلم إلا بعودة ذلك الاندفاع في سبيل إقامة المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، ووضع طاقات الفرد في أحسن حالاتها، وفي أقصى توترها، وهذا معنى قوله تعالى: {خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم:12] ، وأحسن حالاتها أن توضع الطاقات بين حَدَّي الوعد والوعيد، بين الخوف والرجاء، فلا يأس من روح الله، ولا أمن من مكر الله، وأن تتناسب مع التحدي المفروض عليها فلا هو أكبر منها فتشعر باليأس، ولا هو أصغر منها فتتساهل وتسترخي ولا تقوم بالجهد المطلوب.

جاء الإسلام فوضع طاقات العرب في موضعها المناسب، فالكرم والشجاعة في الجاهلية كانا للفخر والاعتزاز، فوضعهما الإسلام في سبيل مبدأ، في سبيل الله، فالبطولة أصبحت مبرراتها في عالم الآخرة ولم تعد تدور حول (الأنا) [2] .

إن المجتمع لا يتكون من (كومة) أفراد، بل بعلاقات معينة بين هؤلاء الأفراد، وإذا أخذنا نموذجا من عالم الحيوان فسنجد أنه كلما تعقدت المصلحة كلما كانت الفاعلية أكثر، هناك حيوان يعيش بمفرده، بعيدا عن نظام الأسرة، ونشاطه يسد فقط حاجات بيولوجية بسيطة، فإذا نظرنا بعد ذلك إلى حيوان يعيش في مستوى أعلى من هذا، فإننا نرى العش الذي يبنيه الطير يعطي صورة للنشاط الاجتماعي في مستوى أرقى، ولكنه دون مستوى الحيوان الذي يعيش في نظام أوسع نطاقًا من الأسرة كالنحل، فإنتاجه هنا يتسم بالفاعلية في صورتين: مادية ومعنوية، فمن الناحية الأولى نرى أن نشاط النحل ينتج أكثر من حاجات سربه، ومن الناحية المعنوية

(1) سنن أبي داود 4/ 111.

(2) تأملات/38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت