فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 64

تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الصَّالِحِينَ [1] ، ومعنى أوزعني هنا: أي ألهمني ووفقني ورغبني [2] .

قال السيد في الظلال: ( .. {رَبَّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِّي انْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} دعوة القلب الشاعر بنعمة ربه المستعظم المستكثر لهذه النعمة التي تغمره وتغمر والديه قبله فهي قديمة العهد به المستقل المستصغر لجهده في شكرها، يدعو ربه أن يعينه بأن يجمعه كله(أوزعني) .. لينهض بواجب الشكر، فلا يفرق طاقته ولا اهتمامه في مشاغل أخرى غير هذا الواجب الضخم الكبير) [3] .

إذن الآيتان اتفقتا لنفس المعنى، فمدلولهما واحد، لأن الجو واحد، وهو الطلب الكلي من الله سبحانه على شكران النعمة بكل ما تقتضيه هذه اللفظة من أن يلهمه ذلك، والتي هي من جوامع الكلم.

فقد يعدد المرء الوسائل الكثيرة ويستغرق في اختيار الألفاظ المناسبة على شكران النعمة من أجل أن يصل إلى ما تتوق به نفسه، وقد لا يصل إلى تحقيق ذلك، بينما نجد القرآن الكريم قد عبر عن جميع هذه الوسائل بلفظة (أوزعني) ، وهي الجامعة لذلك.

ومثل هذه الكلمات قد لا تصدر إلاَّ من أهل الصلاح وخالصي التقوى، ففي الآية الأولى صدرت من نبي الله سليمان عليه السلام، وقلوب الأنبياء أطهر القلوب ولا يعدلها قلب، فقلوبهم مفعمة بالإيمان والتسليم المطلق لله رب العالمين، فهم أكثر الناس معرفة بأنفسهم وبربهم، لذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أَنَا أَعْرَفُكُمْ بِاللهِ وَأَشَّدُكُمْ لَهُ خَشْيَةً ) ) [4] ، وفي الثانية قد تصدر من قلب عبد صالح متجرد لخالقه يريد أن يشكره على نعمه وآلائه، ومن تلك النعم نعمة الوالدين المُسْلِمَينِ، ونعمة التدرج بتكوينه في رحم أمه - أي الأطوار التي مر بها - حتى خرج إلى هذه الدنيا طفلًا، ثم بلوغه ما بين الثلاثين إلى الأربعين.

والأربعون هي غاية النضج والرشد، وفيها تكتمل جميع القوى والطاقات، ويتهيأ للتدبر والتفكر في اكتمال وهدوء، وفي هذه السن تتجه الفطرة المستقيمة إلى ما وراء الحياة، وما بعد الحياة، وتتدبر المصير والمآل [5] .

(1) سورة الأحقاف الآية 15.

(2) ينظر: تفسير كلمات القرآن الكريم ص 504.

(3) ينظر: في ظلال القرآن 7/ 416. في معرض تفسيره لسورة الأحقاف.

(4) صحيح البخاري 10/ 437، وصحيح مسلم (2356) ، وسنن أبي داود 2/ 788 برقم (5265) ، ومسند أحمد 2/ 212 و 449 برقم (8115) ، (9800) ، وصحيح ابن حبان 12/ 463 برقم (5647) ، مسند أبي يعلى: 11/ 194 برقم (6304) ، وسنن البيهقي الكبرى 5/ 214 و 183 برقم (9849) و (8615) .

(5) ينظر: في ظلال القرآن 7/ 416.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت