المبحث الثالث
التكوين الخلقي للنمل
المطلب الأول
ذكاء النمل
إن الله جلت قدرته وعظم شأنه لم يكن ليلفت نظر العقلاء من بني البشر إلى هذا المخلوق (النمل) إلاَّ ليحيطهم علمًا على أنه يمتلك قدرات عجيبة وقوى خارقة تذهل العقول وتحير الألباب وتضعهم في موضع البحث والتقصي، وقد ظهر علماء اهتموا بهذا الموضوع أيما اهتمام، واستغرقوا في البحث والتقصي سنوات كثيرة فاكتشفوا بعضًا من سلوك النمل الذكي، وتطور جهازه العصبي، فعند وضعه تحت المجهر وجدوا أن دماغ النملة يتكون من فصين رئيسيين يشبه مخ الإنسان، ومن مراكز عصبية متطورة وخلايا حساسة [1] .
والذي يلفت النظر أيضًا أن الله عز وجل أفرد لهذه الحشرة الذكية المنظمة النشيطة المثابرة سورة في كتابه العزيز سماها (النمل) كل هذا وذاك لأهمية هذا المخلوق، وليدلنا على عجيب صنعه وقدرته التي لا يقدر عليها أحد إلاَّ هو سبحانه وتعالى، لغرض أن نفرده بالعبادة وحده دون سواه، ونقر له بالربوبية الحقة، وهذا مقتضى الانقياد والخضوع والخشوع والتذلل بين يديه سبحانه تقدست أسماؤه وصفاته.
فالنمل ليس من الكائنات الغبية، بل له ذكاء فطري يستطيع من خلاله التمييز بين العدو والصديق، والشر والخير، وأنه يستطيع أن يدفع عن نفسه بذكائه، وأنه يعرف أن له ربًا عظيم الشأن قادرًا وأنه فوق سمواته على عرشه استوى.
فقد روى لنا ابن القيم (رحمه الله) عن حقيقة ذكاء النمل في كتابه شفاء العليل ما نصه: (إن أهل الأحنف بن قيس لقوا من النمل شدة، فأمر الأحنف بكرسي فوضع عند تنورين فجلس عليه ثم تشهد ثم قال: لتنتهن أو ليحرقن عليكن، ونفعل، قال: فذهبن) [2] .
فهنا استطاع النمل بتقدير الله عز وجل أن يدفع عن نفسه بذكائه، ولم يجد له من وسيلة للتخلص من الحرق الأكيد إلاَّ بالتخلي عن موقعه، ومثل هذا السلوك يسلكه القادة العظام من
(1) بحث عن الإعجاز العلمي للقرآن في النمل ص 10. ومن هؤلاء الذين بحثوا في هذا المجال (رويال وكنسون) أحد علماء التاريخ الطبيعي، والذي صنف كتابًا مهمًا اسماه: (شخصية الحشرات) .
(2) ينظر: شفاء العليل ص 69.