العسكريين عندما يجدون أن الخطر يكمن ببقائهم في هذا الحيز من الأرض سيضطرون إلى تركه واللجوء إلى أرض أخرى أكثر استقرارًا وأمانًا.
وقصة النمل في القرآن الكريم دليل آخر على ذكاء تلك النملة التي أنقذت بني جنسها من الموت المحقق بالسحق والتحطيم، وهذا من أعجب العجيب، ولذلك تبسم لها سليمان عليه السلام ضاحكًا لذكائها وفطنتها.
قال ابن القيم: (ثم أخبر بما دل على شدة فطنة هذه النملة ودقة معرفتها حيث أمرتهم أن يدخلوا مساكنهم المختصة بهم، فقد عرفت هي والنمل أن لكل طائفة منها مسكنًا لا يدخل عليهم فيه سواهم) [1] .
وقال البيضاوي: (فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم ولذلك أجروا مجراهم مع أنه لا يمتنع أن خَلَقَ الله سبحانه وتعالى فيها العقل والنطق) [2] .
ولو تتبع كل إنسان بفهم وإدراك هذا النوع من المخلوقات لوجده على درجة عالية من التنظيم تفوق الخيال. فهذه النملة التي أشار إليها القرآن تعمل مع بني جنسها وفق خطة عمل واضحة وحازمة حيث توزع المهام على أفراد الخلية، فيقوم كل فرد منها بواجبه على أكمل وجه من خلال البرنامج الفطري الذي أودعه الله تعالى في دماغه من غير تمرد أو تكاسل [3] .
وذكاء النمل من الحقائق العلمية التي تتناسب مع حقيقة القرآن التي لا شك فيها ولا يعتريها أي خطأ.
فإشارة القرآن الكريم إلى حقيقة علمية كبيرة، وهي ذكاء النمل وقدرته على المحاكمة العقلية والفكرية ومواجهة الأخطار التي قد تحدق به، فقد استطاعت تلكم النملة الحاذقة أن تحدد مكان سليمان والطريق الذي سيسلكه، وهذا لم يكن ليتم لولا هذه القدرات الخارقة التي يتمتع بها النمل.
وبديهي أننا نسلم يقينًا أنها إرادة الله التي جعلت النمل في هذا المستوى العالي من الفطنة والذكاء، فهو إلهام منه سبحانه لهذا المخلوق، وفي نفس الوقت أنه تحدي عظيم يضعه أمام البشر، لأن يخلقوا مثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، كتحديه سبحانه لكفار مكة بأن يخلقوا ذبابًا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [4] .
(1) ينظر: شفاء العليل ص 69.
(2) ينظر: تفسير البيضاوي ص 262.
(3) بحث عن الإعجاز العلمي للقرآن في النمل ص 11.
(4) سورة الحج الآية (73) .