فالآيات التي ذكرها الله عز وجل في سورة النمل دليل ساطع البيان نستلهم منه مدى ذكائها في توصيل الخبر، وكيف أنها استخدمت أذكى الطرق في دفع الخطر عن بني جنسها دون أن تفزعهم وتثير بينهم الهلع والخوف، ولعمر الحق إن كثيرًا من الجهات المنظمة في العالم تستخدم اليوم أحدث الطرق والوسائل من أجل أن تنشئ طاقمًا يستطيع بذكائه إيصال المعلومة بأسلم الطرق وأكثرها جدية، وربما نستفيد في هذه الجولة من هذه النملة الذكية في أن تعلّمنا الطريقة السليمة في إيصال الخبر دون إرباك وضوضاء.
المراحل التي سلكتها نملة سليمان عليه السلام في توصيل خبر الخطر إلى النمل حسب تسلسل كلامها في الآية كدلالة على ذكائها:
المرحلة الأولى:
قولها {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ} كأنه بوق إنذار، والنداء هنا هو تنبيه عاجل لهم في غاية العجالة للنمل حتى يبادروا ويستعدوا بأخذ الحيطة والحذر الشديدين لمواجهة هذا الخطر، فالخطر قادم وبأسرع ما يكون، والنداء للبعيد، فهي كانت بعيدة عن النمل، ولو كانت بينهم لما احتاج إلى ياء النداء، ولَعَلِمَ النمل بمقدمهم، ولكنها رأتهم وهي على بعد منهم بالمقاييس الخاصة بهم.
المرحلة الثانية:
قولها {ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} ففي هذه المرحلة نلاحظ أنها أعطت الأوامر أولًا قبل أن تبين نوع الخطر الذي سيداهمهم، وهي بهذا ربحت الوقت وأعطت مباشرة الأوامر لجميع النمل، لكي يسرعوا بالدخول إلى مساكنهم.
المرحلة الثالثة:
قولها {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} بينت في هذه المرحلة سبب الخطر، وهذا من أعجب الذكاء أنها لم تبدأ بتبيان سبب الخطر إلاَّ بعد تنبيههم وإعطائهم الأوامر، وسلوكها هنا يدلل على ذكائها الخارق في استخدام الوسائل الصحيحة بعدم خلق الارتباك والخوف، بل هو تسلسل وترتيب موفق في عدم مفاجئتهم بالخطر لمنع وقوع التدهور النفسي لدى من يسمعه للوهلة الأولى.
المرحلة الرابعة:
قولها {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} فقد أنهت مهمتها تجاه قومها بكل حرص وذكاء أخبرتهم بكلمة جامعة بأن هؤلاء ليسوا أعداءً ولا غايتهم الإفساد، إنما هم قوات صديقة، ولكن لو دخلوا ليحطمونا ويدسونا بأقدامهم، لأنهم لم يشعروا بوجود مملكة للنمل، فإنهم لو شعروا سيبتعدوا عنا، ولم يكن هناك أي خطر يذكر، وبهذا أدخلت السرور والبهجة عليهم، وهذا من آكد الواجبات على من يتولى