ومن الطرائف التي رآها بعض الباحثين من خلال إحدى التجارب المعملية، أنهم وجدوا أن إزالة الرائحة الخاصة ببعض النمل التابع لعشيرة معينة ثم إضافة رائحة خاصة بنوع آخر عدو له أدى إلى مهاجمته بأفراد من عشيرته نفسها.
وفي تجربة أخرى تم غمس نملة برائحة نملة ميتة ثم أعيدت إلى مسكنها، فلوحظ أن بقية النمل يخرجونها من المسكن بسبب هذه الرائحة وكأنها ميتة، وفي كل مرة تحاول فيها العودة فيتم إخراجها ثانية على الرغم من أنها حية تتحرك وتقاوم، وحينما تمت إزالة رائحة الموت فقط تم السماح لهذه النملة بالبقاء في مسكنها.
يقول العالم بيتر كروبوتكين (PETER KROPOTKIN) : حينما تعثر النملة الكشافة على مصدر طعام، فإنها تقوم بإفراز (الفرمون) اللازم من الغدد الموجودة في بطنها لتعليم المكان ثم ترجع إلى المسكن، وفي طريق عودتها لا تنسى تعليم الطريق حتى يتعقبها زملاؤها، وفي الوقت نفسه يضيفون مزيدًا من الإفراز لتسهيل الطريق أكثر فأكثر، ومن العجيب أن النمل يقلل الإفراز عندما يتضاءل مصدر الطعام ويرسل عددًا أقل من الأفراد إلى مصدر الطعام، وحينما ينضب هذا المصدر تمامًا، فإن آخر نملة وهي عائدة إلى مسكنها لا تترك أثرًا على الإطلاق [1] .
أما إذا لم يكن هناك طعام عند نهاية الأثر، أو نفد الطعام، فإن النمل يترك هذا الأثر ويتوجه إلى أثر آخر للحصول على طعام جديد.
وبعد ذلك نقول: من الذي ألهم النمل بسلوك مثل هذا الفعل لطلب الرزق، والذي ينبئ عن نظام محبوك رتيب خالٍ من التكلف والتصنع، إنما هو البديع الذي أحسن كل شيء خلقه، ولم يكن في خلقه ما يدل على الضعف والخطأ. قال الله تعالى: {وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [2] .
قال الشيخ السعدي في تفسيره: (أي يعلم مستقر هذه الدوآب، وهو المكان الذي تقيم فيه وتستقر فيه، وتأوي إليه، ومستودعها: المكان الذي تنتقل إليه في ذهابها ومجيئها وعوارض أحوالها، كل في كتاب مبين: أي اللوح المحفوظ المحتوي على جميع الحوادث الواقعة، والتي تقع في السماوات والأرض. والجميع قد أحاط بها علم الله، وجرى بها قلمه، ونفذت فيها مشيئته، ووسعها رزقه) [3] .
(1) 1902 الجزء الأول FACTORAL EVOLUTION MUTUAL AID , A.
(2) سورة هود الآية (6) .
(3) ينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 377.