فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 84

فمن خلال هذا النص يتضح أن القاص - بلجوئه إلى هذا الحذف والإضمار- قد نجح بنسبةٍ كبيرة في تكثيف المعاني واختزال الأحداث والتخلي عن الوظائف الثانوية التكميلية والابتعاد عن الاستطراد والحشو وسرد التفاصيل، من أجل الحفاظ على الحجم القصير _ الذي لا يتجاوز أحيانًا خمسة أو ستة أسطر-، إلا أن هذا الأمر يَطرح صعوبةً كبيرة على مستوى التأويل وغُموضًا إشكاليًا لدى المتلقي الذي هو مطالَب بالحفر في النص للقبض على ما يريد الكاتب إيصاله من المعاني والدلالات. ويمكن أن نمثل هنا بقصة"تضامن"التي يقول فيها:

"مُدّ يدك!"

يده ممدودة ..

أصبحت الأصابع عشرة ..

هذا كل شيء ..

ثم لا شيء ..." [1] ."

فالملاحظُ هنا أن النصين السابقين في منتهى الغموض؛ حيث استغنى الكاتب، بشكل كلّي، عن ذكر بعض التفاصيل والشروحات، وعَوضها بنقط الحذف الدالة على المنطوق الكلامي المستغنى عنه، وهو ما يستدعي موهبة القارئ وذكاءه في بناء النص؛ لأنه مطالب بأن يقول في بنائه للنص أكثر مما قاله النص نفسه. فحين نتأمل مثلًا قصة"تضامن"نتصور من خلال عنوانها وجود مجموعة من الأشخاص تربطهم علاقة الصُّحبة أو غيرها، وقد التزم كل واحد منهم أن يؤدي عن الآخر ما يقصر عن أدائه، وأن يمد له يد العون والمساعدة في الشدة، وهو أمرٌ تقتضيه الصحبة والأخوة الدينية، لكنّ الواقعَ في القصة خلاف ذلك تمامًا؛ حيث يشير القاص إلى ظاهرة الخذلان المنتشرة بين كثير من الناس، وانعدام التضامن. وحين نقرأ هذا النص نستحضر قول الإمام الشافعي:

(1) نفسه: ص: 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت