فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 84

وَمَا أكثَر الأصحَاب حينَ تَعدُّهم ... ولكنهُم في النائِبَاتِ قَليلُ

وهناك قصص أخرى كثيرة يَحضُر فيها الحذف والإضمار؛ كما في قصة"مغتصبة"، التي يتحدث فيها القاص عن المرأة المغتصبة والمعاناة التي تلاقيها في المجتمع الذي يَغفر للذكر ما لا يغفر للأنثى. يقول:

"تدخل حريقًا،"

ويدخل حمامًا ...

بعد الخروج ..

هى .. يلفظها المجتمع ...

وهو .. تضوع رائحته وتنقاد له أخرى .." [1] ."

نلاحظ أن هذه القصة قد كتبت في خمسة أسطر، وأن حجمها قصير جدًا - كما هو الأمر في غيرها من قصص المجموعة-. ومعلوم أن هذا الحجم القصير جدًا هو الميسم البارز لهذا الجنس الأدبي، وعليه فهو لا يَسمح، من ناحية البناء الفني، بوضع مقدمةٍ تمهيدية للموضوع، كما أنه لا يَسمح بسرد التفاصيل والشرح والاستطراد والإتيان بالمترادفات من الألفاظ. فما على القاص إذًا إلا أن يَختار كلمات قليلة ذات إيقاع وإيحاء، ويَختصرَ ما أمكن، ويُضمرَ في قصته أكثر مما يُظهر ليتحقق بذلك التكثيف اللغوي الذي لا بد لأي نص قصصي قصير جدًا أن يتكئ عليه.

ومن هنا نجد الكاتب في هذه القصة لا يُصَرح، بشكل دقيق، بما يريد قوله، بل يَختار لغة الصمت والتلميح، ويبتعد ما أمكن عن إيضاح مقصوده، وشرح عباراته الموجزة، وجمله المختزلة؛ عكس ما عليه الأمر في القصة والرواية مثلًا، بل يختم الجملة القصصية بنهاياتٍ فارغة، قصْد دفع المتلقي رغمًا عنه إلى ملئها بأجوبته الخاصة، وممارسة لعبة التأويل.

(1) ميمون حرش: نجي ليلتي، م. س، ص: 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت