ومما أعان القاص في هذا الإضمار عدم إحالة الضمير، في كثير من قصصه، على شخصية بعينها؛ فشخصيات القصص عنده مغيبة، وغير محددة بدقة، فهي مجهولة الاسم والهوية، وغير موصوفة بإسهاب وتفصيل؛ كما هو الأمر في الروايات الكلاسيكية. لهذا يجد القارئ نفسه مُرغمًا على الانغماس في لعبة التأويل. ويمكن أن نمثل هنا بقصة"رأس"التي يقول فيها:
"تحسس رأسه .."
لا أحد جسه،
والمادة اللزجة لم تكن غير رذق طائر
حمد اللّه لأنه يملك رأسًا يقع عليه شيء من
السماء." [1] ."
وفي قصة"تنخيم"يعمد الكاتب إلى الحديث عن الشخصية بضمير الغائب، ويشير إلى بعض تصرفاتها الطائشة في الشارع دون أن يُنكر عليها أحد؛ لأن أفعالًا مثل هذه ليست بِدْعًا من السُّلوكيات المجتمعية للأطفال الذين يَعْبُرُون الشوارع، ويمْسحون الأحذية في المقاهي. ثم يُثني القاص بالحديث عن الكبار والراشدين ممن يتظاهرون في الشوارع، لكنه يُنهي النص بقفلة مليئة بنقط الحذف فرارًا من لغة البوح والتصريح. يقول:
"يعبر الشارع العام كقذيفة .."
لا يلوي على شيء .. ينتخم"عَطالة"
لا أحد لامه .. إنه ابن مدينة،
يمسح الأطفال، في مقاهيها، الأحذية،
ويتظاهرون، في شوارعها، الراشدون ..
و .. ينتخمون ..
و .. ينتظرون .." [2] ."
(1) نفسه، ص: 8.
(2) ميمون حرش: نجي ليلتي، م. س، ص: 84.