وَيُرْوَى: (يُخَيَّل إِلَيْهِ) أَيْ يَظْهَر لَهُ مِنْ نَشَاطه وَمُتَقَدِّم عَادَته الْقُدْرَة عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا دَنَا مِنْهُنَّ أَخَذَتْهُ أَخْذَة السِّحْر فَلَمْ يَأْتِهِنَّ، وَلَمْ يَتَمَكَّن مِنْ ذَلِكَ كَمَا يَعْتَرِي الْمَسْحُور.
وَكُلّ مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَات مِنْ أَنَّهُ يُخَيَّل إِلَيْهِ فِعْل شَيْء ثُمَّ لَا يَفْعَلهُ وَنَحْوه فَمَحْمُول عَلَى التَّخَيُّل بِالْبَصَرِ، لَا لِخَلَلٍ تَطَرَّقَ إِلَى الْعَقْل، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدْخُل لَبْسًا عَلَى الرِّسَالَة، وَلَا طَعْنًا لِأَهْلِ الضَّلَالَة. وَاللَّه أَعْلَم ...
أما قَوْله: (حَتَّى إِذَا كَانَ ذَات يَوْم أَوْ ذَات لَيْلَة دَعَا رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ دَعَا) هَذَا دَلِيل لِاسْتِحْبَابِ الدُّعَاء عِنْد حُصُول الْأُمُور الْمَكْرُوهَات، وَتَكْرِيره، وَحُسْن الِالْتِجَاء إِلَى اللَّه تَعَالَى.
قَوْلهَا -أي عائشة-: (فَقُلْت: يَا رَسُول اللَّه أَفَلَا أَحْرَقْته) وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة: (قُلْت: يَا رَسُول اللَّه فَأَخْرِجْهُ) كِلَاهُمَا صَحِيح، فَطَلَبَتْ أَنَّهُ يُخْرِجهُ، ثُمَّ يُحْرِقهُ، وَالْمُرَاد إِخْرَاج السِّحْر، فَدَفَنَهَا رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ عَافَاهُ، وَأَنَّهُ يَخَاف مِنْ إِخْرَاجه وَإِحْرَاقه وَإِشَاعَة هَذَا ضَرَرًا وَشَرًّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ تَذَكُّر السِّحْر، أَوْ تَعَلُّمه، وَشُيُوعه، وَالْحَدِيث فِيهِ، أَوْ إِيذَاء فَاعِله، فَيَحْمِلهُ ذَلِكَ أَوْ يَحْمِل بَعْض أَهْله وَمُحِبِّيهِ وَالْمُتَعَصِّبِينَ لَهُ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرهمْ عَلَى سِحْر النَّاس وَأَذَاهُمْ، وَانْتِصَابهمْ لِمُنَاكَدَةِ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ.
هَذَا مِنْ بَاب تَرْك مَصْلَحَة لِخَوْفِ مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْهَا، وَهُوَ مِنْ أَهَمّ قَوَاعِد الْإِسْلَام [1] .
الدليل الرابع: استدل القرافي بالإجماع، فقال:"وكان السحر وخبره معلومًا للصحابة - رضي الله عنهم - وكانوا مجمعين عليه قبل ظهور القدرية" [2] .
(1) شرح النووي على مسلم (14/ 178) بتصرف.
(2) الفروق (4/ 150) .